X إغلاق
X إغلاق


الثلاثاء 05 محرم 1439 | 26 أيلول 2017


ليلى غليون: نعم للتغافل ... لا للغفلة


 

ما اجمله من خلق وما اعلاها من نفس ، تلك التي تترفع عن سفاسف الأمور وتغض الطرف عن الصغائر وعن هفوات الغير وزلاتهم فلا تترصد لهم اخطاءهم ولا تحصيها عليهم ولا تقابلهم بثورة اصعاب او ثورة غضب تكدر عليهم هدوءهم وتنغص هناءهم ، بل تقابل تلك الزلة بتغافل حكيم حتى تبقي على مياه العلاقات تسير في مجاريها ، وتتعامل مع تلك الهفوة بروح التغاضي او التغابي حفاظاً على وشائج المحبة وحفاظاً على سلامة المشاعر والعواطف من أن تخدش او تجرح .
فانظروا إلى حكمة وادب حاتم الأصم ( رحمه الله ) في تعامله مع تلك المرأة التي جاءته يوماً لتسألة عن مسألة ، وبينما هي تسأله خرج منها صوتاً مما سبب لها الحرج والخجل فقال حاتم : ارفعي صوتك ، موهما اياها انه اصم ولم يسمعها ، فَسُرَّتْ المرأة بذلك وشعرت بارتياح ان حاتما لم يسمعها وقالت انه لا يسمع الصوت فلقب حاتم بالاصم بسبب تلك الحادثة التي جسدت الادب الرفيع في حاتم الاصم وهو الادب الذي يمكن أن نطلق عليه ادب التغافل والذي هو من ادب السادة كما قال ذاك الشاعر :
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
وانني اقول ولا ابالغ ، بل اكاد اجزم ان هذه الحادثة لو حدثت في مجالسنا اليوم لاصبحت هذه المرأة حديث الالسن ترشق بالغمز واللمز والسخرية ، عند من يحصون الصغائر ويجعلون من الحبة قبة ويعملون من البحر مقاثي كما يقول المثل ، والأدهى والامر ان هؤلاء الذين يقفون على صغائر الغير لا يلقون بالاً للكبائر عند انفسهم .
ومن المواقف الكبيرة في ادب التغافل ما ذكر عن عطاء بن ابي رباح انه قال : " ان الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم اسمعه قط ، وقد سمعته قبل ان يولد " وفي ايامنا لو تحدث أحدا بشيء او بقصة او بخبر ونكون على علم مسبق بهذه القصة او الخبر لا ندعه يكمل حديثه بل نقطع كلامه بعباره محرجه قد تؤذي شعوره ونفسيته لنقول له : ( اخبارك بايته ) .
يقول الحسن البصري : ما زال التغافل من فعل الكرام .
وقد قال الامام احمد ( رحمه الله ) ان العافية عشرة اجزاء كلها في التغافل وقال ايضاَ : تسعة اعشار حسن الخلق في التغافل .
فما احوجنا إلى الخلق الجميل في هذا الزمان الذي فيه يشتعل فتيل المشاكل لاقل الاسباب واتفهها وتثور فيه رياح الخصومات على كل صغيرة ، انه خلق التغاضي الكريم الذي لا يجرح المشاعر ولا يكسر الخواطر وهذا بالطبع في غير المعاصي وما يغضب الله عز وجل ، ونحن لا نعني بالتغافل الغفلة والغفلة غير التغافل ـ ومعنى التغافل هو تكلف الغفلة مع العلم والادراك كما يتغافل عنه تكرماً وترفعاً عن سفاسف الامور ، وقد قيل لبعض العارفين : ما المروءة ؟ قال : التغافل عن زلة الاخوان .
وما اكثر من يتبجح ويفلسف الامور ويصف نفسه بأنه إنسان ( دغري ) ( ما بتحمل اشوف حاجه عوجه ) ( يقول للاعور انت اعور بعينه ) ولكنه لا يدري ان هذا التصرف فيه من الغباء ما فيه ـ فيه من جرح المشاعر ما فيه ، لا بل وربما كان هذا التصرف غير الحكيم سكينا يقطع كل العلائق الطيبة بينه وبين من يتعامل معهم بهذا المنطق . إذ كيف تدوم علاقة بين الاصحاب وهم يحصون لبعض زلاتهم وهفواتهم ولا يسمحون لزلة ان تمر هكذا بدون عقاب او مساءله او لوم ؟ فالجميع ذوو خطأ ، والزلات لا بد منها ونحن -بني البشر - اهل الاخطاء والزلات ولسنا ملائكة ولا معصومين يقول الشاعر :
ومن لم يرد الا خليلا مهذبا فليس له في العالمين خليل
واذا كان التغافل والتغاضي مطلوبا بين الاصحاب والمعارف والاقرباء فهو اشد ما يكون حاجة وضرورة بين الزوجين حتى تسير سفينة الحياة الزوجية على مياه هادئة لا تعصف بها رياح المشاكل ولا عواصف المشاحنات والتي في اغلب الأحيان تثور بسبب زلة هنا وهفوة هناك سواء من قبل الزوج او الزوجة او كليهما معاً ، ولو غض الواحد الطرف عنها لجنب الاسرة تلك الأجواء الكئيبة من المشاجرات والخلافات .
فعندما يدرك كل من الزوجين انه من المستحيل ان يجد الواحد منهما كل ما يريده من الطرف الأخر وعندما يدركان انهما من صنف البشر الذين يخطئون وليسا من صنف الملائكة ، عندها يصبح من السهل عليهما ان يتجملا بهذه المزية الرائعة وهي ادب التغافل والتغاضي ، لأن الحياة الزوجية غالية وثمينة وتجب المحافظة عليها بكل ثمن فليس من المعقول ان تندلع حربا كلامية بين الزوجين على امور تافهة : كملوحة الطعام ، او نسيان طلب ، او زلة لسان ، او الانشغال عن وعد غير ضروري لتنقلب الحياة إلى جحيم لا يطاق .
وليس من المعقول ان يدقق بعض الازواج في كل شيء وينقبون في كل شيء كأن يفتح احدهم الثلاجة مثلاً : لماذا الخضار غير مرتبة ، لماذا الطاولة عليها غبار ، كم مرة قلت لك الطعام حار جداً ، كذلك الامر هناك بعض النساء من تتصيد زلات زوجها وان كانت غير مقصودة وتدقق في شؤونه وتبحث عن المشاكل بنفسها : ماذا يقصد بتلك الكلمة وعدني ان نخرج الليلة ونسي وعده ، لا يتذكر ان اليوم ذكرى زواجنا او ذكرى ميلادي ، او أن احد الازواج لا تعجبه خصله في الطرف الأخر فيبقى يسلط الضوء عليها ويكررها ويغض الطرف عن باقي الخصال الحميدة حتى يتضايق الطرف الآخر او يحاول اقتلاعها بالقوة مع العلم انها لا تضر ولا تنفع .
فلنتغاض قليلاً حتى تستمر الحياة سعيدة لا تكدرها الصغائر ولتلتئم القلوب على الحب والسعادة ، فكثرة العتاب تفرق الاحباب وكما قال الشاعر :
احرص على حفظ القلوب من الأذى فرجوعها بعد التنافر يعسر
ان القلوب اذا تنافر ودها مثل الزجاج كسرها لا يجبر