X إغلاق
X إغلاق


الخميس 10 جمادى الأولى 1440 | 17 كانون ثاني 2019


حامد اغبارية: عندما يرحل شقيقك الأكبر...!


فجأة رن الجوال بعد دقائق من عودتي من صلاة الفجر، يوم الجمعة الماضي الحزين، التاسع من شباط 2018. قبل أن أرد على المكالمة عرفت أن أمرا جللا قد حدث. فقد كان شقيقي الأكبر وحيد (أبو نضال) قد اكتشف إصابته بمرض السرطان في المعدة قبل شهرين تقريبا. كان على الهاتف شقيقي عبد الرحيم (أبو فادي): تعال... أبو نضال تعبان.. يجرون له منذ ساعة عملية إنعاش... بدأت أتجهز للسفر من الناصرة إلى قريتي مصمص، وفي ظني أن المسألة لا تعدو كونها نوبة ألم شديد وسيتجاوزها. فقد كان قد بدأ العلاج بالكيماوي يوم الأحد الذي سبق وفاته، وكنت معه أشد من عضده وأواسيه وأرفع من معنوياته وأذكـــّره بالقرب أكثر من الله تعالى وعدم التوقف عن ذكر الله. في مثل هذه المواقف لا تملك إلا هذا تقدمه لأخيك.

تحدثنا في أمور كثيرة، وتحدثنا أكثر عما سيأتي من قادم الأيام. وكنت أسأل نفسي ونحن نتبادل الحديث، وهو يتألم من معدته: ترى هل يمكن لهذا العلاج الكيماوي أن يساعد في شيء؟؟ ترى كم سيعيش؟ شهرا... نصف سنة؟ سنة؟ أكثر؟؟ وبين نوبات الألم كان يبتسم، وكلما قلت له شيئا قال: إن شاء الله... إن شاء الله.. طبعا.. أكيد.. لكن القلق كان ظاهرا في عينيه، رغم محاولات إخفائه.

كانت الطبيبة المعالجة في قسم الأمراض السرطانية في مستشفى الخضيرة قد أبلغتنا (أنا وابنه البكر نضال) أن هناك شكا في أن الأورام قد أصابت الكبد، وربما أيضا الأمعاء الغليظة... وأن العلاج الكيماوي قد يحاصر بعض الخلايا الخفية ويقضي عليها، ثم ترى إن كان في الإمكان إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم الكبير من معدته... وعشنا تلك اللحظات ما بين الأمل والتسليم...
اتصلتُ ثانية بشقيق آخر صبيحة الجمعة، وسألته عن الوضع فقال: الوضع صعب.. وكان واضحا لي أنه يبكي..

بعد أن ارتديت ملابسي اتصلت بشقيقي وإذا به يبكي بكاء مرا: انتهى كل شيء... لقد فارق الحياة...!!

بهذه السرعة؟!! ونحن الذين كنا نخطط للأيام القادمة ونتحدث عن خطة العلاج!! كم كان الرحيل سريعا! غير أنه لم يكن بسبب مرض السرطان كما توهمت... فقد استيقظ المرحوم فجرا وبدأ يتقيأ بشدة، وبسبب وضعه الصحي دخلت السوائل إلى رئتيه، وسببت له نوبة قلبية قاتلة..

يا الله... نحن كنا نحدث أنفسنا كم كتب له في أجله أن يعيش مع هذا المرض الخطير، وإذا به يموت لسبب آخر لم يخطر في بال أحدنا.. وكان في ذلك عبرة ودرس... أنت تفكر بشيء، وخطة العمر لها رأي آخر... قلت في نفسي: لم يشأ الله له أن يعاني كثيرا من الآلام الفظيعة التي يعاني منها مرضى السرطان، وقد عشنا هذا أياما وليالي طويلة مع شقيقتي الكبرى التي فارقتنا قبله بعشرين يوما... يا الله... ما أعظم حكمتك... وما أوسع رحمتك...

وشقيقي أبو نضال غادرنا عن 64 سنة، وكان هو ثاني الأبناء في الأسرة، بعد شقيقتي أم جمال رحمها الله تعالى. ولي معه قصة طويلة.
*
كان رحمه الله تعالى من الطلاب المتفوقين في مدرسة قريتنا القديمة، والتي كانت عبارة عن أربع غرف متلاصقة، قرب الجامع القديم. وكان مديرها الأستاذ خليل أبو زينة –رحمه الله تعالى- والذي ظل مديرا لابتدائية القرية طوال أربعة عقود. وكان الطلاب الذين ينهون الصف الثامن في تلك الأيام يجرون امتحانا تقييميا يؤهلهم للانتقال إلى المرحلة الثانوية، وكان هذا الامتحان معروفا باسم (امتحان الثوامن). وأذكر يوم أجرى شقيقي ذاك الامتحان، حيث احتشد الأهل أمام المدرسة نهار ذاك اليوم، ينتظرون أن ينهي أبناؤهم الامتحان بنجاح. وقد نجح شقيقي بتفوق. فكان أن خاطب الأستاذ خليل والدي - رحمه الله تعالى- وقال له: الولد لازم يكمّل تعليم.. لكن أبي كان قد قرر أن يخرجه من المدرسة ليساعده في إعالة الأسرة. فقد كانت أسرتنا كبيرة، وكان الفقر سيد الموقف في تلك الأيام. وحاول الأستاذ خليل أن يقنع أبي، وقال له: أعلمه على حسابي... حرام الولد يضيع هيك... ابنك ممتاز، ولازم يتعلم... غير أن أبي أصر على موقفه... وترك أخي مقاعد الدراسة وبدأ يعمل لمساعدة أبي في إعالة الأسرة..
وما زلت أذكر كيف كنا نستقبل أخي كل يوم جمعة وهو عائد من العمل، فنقبّل يده، فيعطي كل واحد منا نصف ليرة.
ورغم هذا الوضع إلا أن أبا نضال رحمه الله لم يقطع علاقته بالكتاب... وهذه وحدها لها قصة.

كان رحمه الله مغرما بالقراءة، فكان كل يوم سبت يسافر إلى مدينة جنين، ويشتري رزمة كتب من مكتبة (عصفور الشهيرة)، وكانت تلك الكتب في غالبيتها عبارة عن قصص وروايات، مثل: سيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد وحمزة البهلوان وفيروزشاه وأرسين لوبين وطرزان، وسلسلة جورجي زيدان وغيرها الكثير، حتى تكونت لديه مكتبة كبيرة، كان الكثيرون من الأقارب والصدقاء يستعيرونها منه لقراءتها. ولما كانت قريتنا الصغيرة بدون كهرباء وبدون تلفزيون، فقد كان شقيقي يجمعنا كل ليلة مع والديّ رحمهما الله تعالى، ويسرد علينا ما قرأه من كتاب سيف بن ذي يزن، أو حمزة البهلوان، وكان يفعل ذلك يوميا على حلقات، حتى تعلقتُ بتلك القصص تعلقا شديدا. ثم بعد فترة قرر أن يقرأ لنا من الكتاب مباشرة، بدلا من السرد، فبكيتُ بكاء شديدا، معلنا رفضي للتغيير المفاجئ. لقد كان التغيير صعبا عليّ، وطلبت منه أن يواصل السرد بأسلوب الحكايات، لكنه أقنعني في نهاية المطاف، وما هي إلا أيام حتى انسجمت مع الأسلوب الجديد. واستمر الأمر سنوات، تساعده في قراءة صفحات من تلك القصص كل ليلة إحدى شقيقاتي، حتى وصلت الكهرباء إلى قريتنا، وبعد معاناة شديدة تمكن والدي من شراء جهاز تلفزيون قديم بالأبيض والأسود. وفجأة توقفت الدنيا كلها... فقد قرر شقيقي التوقف عن قراءة القصص كل ليلة. وأذكر أنني بكيت بكاء مرا وتمرغت بالتراب، احتجاجا على ذلك... ثم بعد ذلك جلس معي وقال: ليش بتعيّط.. هو انت صغير؟!! بتعرفش تقرا لحالك؟!

وكنت يومها في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي... فحملقت به وقلت: شو أقرا لحالي؟! كيف بدي أقرا لحالي هاي الكتب؟! فقال واثقا من نفسه: جرب... روح عالأوضة وخذ الكتاب وبلش قراءة... فانصعت صاغرا، وأنا كاره لهذه المهمة الصعبة... متمنيا لو أنه يغير رأيه ويعود بنا إلى تلك اللحظات الجميلة التي نتحلق فيها حول إبريق الشاي ونستمع إلى قراءته لنا..

وكانت تلك اللحظة التي أمسكت فيها أول كتاب في حياتي، وكان الجزء الأول من قصة (سيف بن ذي يزن) المكونة من أربعة أجزاء، هي التي ربطتني بالقراءة، حتى أصبح الكتاب جزءا من حياتي، وكان لشقيقي – رحمه الله تعالى- الفضل في ذلك بعد فضل الله تعالى. وقد بدأت أقرأ من ذلك الكتاب وأنا لا أفهم أغلب ما فيه، غير أن ذلك كون لدي ثروة لغوية هائلة تراكمت عبر السنين، ولعلها كانت البوصلة التي حددت مسار حياتي فيما بعد.

ثم إن أخي – رحمه الله- كان له فضل بطريقة غير مباشرة، في تعرفي على القرآن الكريم، والاهتمام بحفظ ما تيسر منه. فقد كان رحمه الله قد اشترى من مدينة جنين جهاز (بتيفون) لتشغيل الاسطوانات. ومثل كل الشبان في سنه، في تلك الأيام، كان مغرما بشراء اسطوانات الأغاني التركية، لكنه جاء ذات يوم، وكنا في أول أيام شهر رمضان المبارك، وهو يحمل اسطوانة لسورة "مريم" بصوت عبد الباسط عبد الصمد، وكانت تبدأ من عند الآية: "فحملته فانتبذت به مكان قصياّ"، وقبل غروب يوم الصوم الأول وضع تلك الاسطوانة على جهاز (البتيفون) وشغلها، فكانت لحظة رائعة يتمناها كل بيت في تلك الأيام. وبعد أن علّمني كيف أضع الاسطوانة وإبرة التشغيل أصبحت أنا المسؤول عن تشغيلها كل يوم، أجلس بجانب الجهاز وأردد مع الشيخ عبد الباسط، حتى حفظت كل الآيات المسجلة على الاسطوانة، مجتهدا تقليد صوت عبد الباسط، حتى أتقنته إتقانا جيدا. فكانت سورة "مريم" أول السور التي أحفظها في حياتي، إضافة إلى السور القصيرة التي كنا نتعلمها في المدرسة. وقد أهّلني تقليد صوت عبد الباسط فيما بعد لقراءة القرآن في احتفالات المدرسة. وأذكر أنني قرأت سورة "مريم" في بيت عزاء الشاعر الراحل راشد حسين، وكنت يومها في الصف العاشر. وهكذا كان لشقيقي – رحمه الله تعالى- فضل كبير في هذا أيضا.

الحديث عن تلك العلاقة لا ينتهي، ولعله تكون لنا وقفات ومحطات في كتاب الذكريات..

اللهم ارحم أخي أبا نضال رحمة واسعة، واغفر له، واعفُ عنه، وأكرم نزله، واغسله بالماء والثلج والبرد، وأسكنه الجنة مع الأبرار... يا عزيز يا غفار.. اللهم آمين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 المرحوم ابونضال

 حامد اغبارية











1.امين يارب العالمين الله يرحمو ويجعل مثواه الجنه كلام مؤثر جدت رحمك الله ياعمي

2018-02-17 23:21:06 - اريج حامد اغباريه - الناصره