X إغلاق
X إغلاق


الخميس 08 صفر 1440 | 18 تشرين أول 2018


التبذير في رمضان عادة مذمومة تفسد حلاوة الصيام وترهق جيوب الأسر!!!


كما في كل عام يبدأ المسلمون في جميع أماكن تواجدهم بالاستعداد لاستقبال الشهر الفضيل ، شهر التقشف والعبادة والرحمة والمغفرة والعتق من النار ، ولكن الغريب في الأمر أن الإستعدادات ليست في مجال الروحانيات أو وضع برامج للعبادة بل استعدادات ومشتريات بكميات كبيرة تحضيرا للولائم التي سيقيمونها ، وتبدأ التساؤلات والتخمينات حول أصناف الأطباق التي سيقدمونها وأي الحلويات وأي المقبلات ستزين موائدهم الرمضانية وأي الأنواع من اللحم سيشترون، فتجدهم يعمدون إلى الأسواق لشراء ما لذ وطاب من حاجيات رمضان ،بعضهم باقتصاد وفق الحاجة وكثيرون بتبذير يتنافى مع الحكمة التي من أجلها شرّع الله الصيام. وتتكبد الكثير من الأسر، المصاريف الشرائية التي تتجاوز ضعف ما تنفقه في الأشهر العادية، أو من خلال السلوكيات الغذائية التي تصيب الصائم بسبب إسرافه في تناول الطعام الذي يؤرق جسده من الناحية الصحية والنفسية،وهناك نساء يتباهين بموائدهن، ويتفنن بأنواع مختلفة من الأطعمة والشراب، ويجعلنها ميدانا للتنافس مع آخريات.

إن الإسراف والتبذير عادة مذمومة بشكل عام فكم بالحري في شهر رمضان؟! ولا يقتصر التبذير على الأثرياء وميسوري الحال بل نرى أن جميع شرائح المجتمع تنفق في شهر رمضان أكثر بكثير مما تنفقه في الأشهر العادية.

الجميع يعرفون ذلك وهناك الكثيرون الذين يحاولون التخلص من هذه العادة البغيضة لكنهم لم يهتدوا الى الطريقة ومنهم من يضطر الى أخذ قروض من البنوك لتغطية نفقات رمضان وعيد الفطر الذي يحل في نهايته ، وما أن ينتهي العيد حتى نسمع من الكثيرين أن رمضان أرهقهم وأثقل العيش عليهم ، فهل هذا أمر محتوم أم أنها عادة سيئة تأصلت فينا بحكم التقليد والمباهاة وقلة الوعي وعدم المسؤولية؟ !

عادة التبذير تتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي طالما حذرت من الإسراف في رمضان وغير رمضان، إلا أن الكثيرين ينتهجون هذه العادة في شهر رمضان فتجدهم يبذرون ويسرفون على المأكل والمشرب إسرافاً كبيراً ولكنهم لا يأكلون كل ما يعدّون من أصناف المأكولات والأطباق المتنوعة ،وفي معظم الحالات يجد نصف الطعام أو أكثر طريقه الى سلة المهملات ، وفي اليوم التالي يقع الإختيار على أصناف جديدة. واليوم نرى أن هناك تسابقا لتزيين الموائد الرمضانية بأشهى الأطباق وألذ الوصفات التي تبثّها برامج الطهي في الفضائيات العربية تارة وصفحات الطبخ على شبكة الإنترنت وما أن يحل موعد الإفطار حتى يجتمع أهل البيت على المائدة مبهورين بالأصناف المختلفة من الخضار واللحوم وأطباق الأرز المزينة بالمكسرات وأنواع السلطات اللذيذة، فيأكل الجميع كل حسب قدره وتكون المفاجأة الكبرى أن بعض الأصناف لم يمسها أحد سوى حجم التذوق والباقي يبقى في الأطباق يطلب جائعاً يلتهمه لكن لا مجيب، فتقف ربة البيت حائرة أمام ما أعدت من طعام لساعات طوال من الظهر حتى موعد الإفطار، تحث أفراد الأسرة على الأكل وتسأل رأيهم بما أعدت فيقول الجميع "إن الطعام شهي لكن لا طاقة لهم بأكل المزيد "، وعندها تعيده إلى الثلاجة للغد ولكن في اليوم التالي يقول الزوج أو الأولاد:"لا نأكل إلا الطعام الطازج" وهنا تشعر ربة البيت بمدى الإسراف والتبذير والتعب في تجهيز مائدة الإفطار، والنتيجة أنها تلقي بالكثير من الطعام الى حاوية النفايات.

هناك ربات بيوت يحاولن التخلص من عادة التبذير الذميمة لكنهن لم يهتدين الى السبيل لأنهن يجربن كل يوم الأطباق الجديدة ويحرصن في شهر الصيام على ابتداع أفكار وأطباق جديدة بإيحاء من صفحات الإنترنت وشاشات التلفزيون.

إن أحد أسباب التبذير في شهر رمضان يعود إلى الاعتقاد الخاطئ بين الناس بأن رمضان شهر الجود والخيرات والكرم وأنه شهر التلذذ بأصناف الطعام المختلفة وغير المعتادة في الأيام العادية فينكب الناس إلى الأسواق يأتون بحاجيات الشهر المتناثرة على البسطات عند أبواب المحال التجارية بكميات كبيرة قد لا يستخدمونها طوال الشهر لزحمة المائدة بأصناف الطعام والشراب.

إن الله تعالى حين شرع الصيام، هدف إلى إحساس العباد بالفقر والجوع والمساواة بين الغني والفقير لكن ما يحصل هو العكس تماماً ففي شهر رمضان يزداد إسراف الناس وتتجاوز ميزانية الشهر سابقتها من ميزانيات الأشهر السابقة بكثير حيث الاتجاه لشراء ما لذ وطاب من المأكل والمشرب والذي لم يعتد عليه المواطن في الأيام العادية.

أما المساواة فهي غير موجودة أيضاً في رمضان فالفقير الذي لا يملك النقود يظل على حاله إلا من إحسان البعض من الأهل بينما الأغنياء تغرق موائدهم الرمضانية بما لذ وطاب من مأكولات وحلويات وغيرها ما يؤجج الغيرة والحقد ، بدلا من التكافل والتراحم والرحمة بين الناس في الشهر الكريم. فالدين الإسلامي يحث على الإنفاق باعتدال وفي حدود المعقول بعيداً عن التبذير والإسراف التي هي صفة الشياطين كما جاء في سورة الإسراء الآية 27 {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} فرمضان شهر العبادة والإقبال على الطاعات المتنوعة بين قيام وتراويح وختم قرآن وصيام وليس شهر أكل وشرب وتبذير وتخمة ونوم.وما يزيد من المصروفات الرمضانية في مجتمعنا ، الولائم والإفطارات الجماعية والأسرية الموسعة التي تهدف بالأساس الى صلة الرحم ولكن هذا الهدف السامي يضيع في خضم الإسراف والبذخ الزائد.

رأي الشرع

أما رأي الشرع بممارسات التبذير والبذخ التي تتجلى لدى الأسر العربية على مائدة رمضان فهو:" شهر رمضان به حكم عظيمة وفوائد جليلة وكبيرة منها على سبيل المثال لا الحصر الناحية الصحية، حيث ""لا يستفاد أن يبقى الإنسان صائما طوال اليوم ثمَّ يتخم نفسه عند الإفطار بأنواع الطعام "، والملاحظ في واقعنا أن الناس في شهر رمضان تصل إلى درجة التبذير في إعداد مائدة الإفطار وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، والأصل أن تصنع ربات البيوت من الطعام ما لا يزيد عن الحاجة ويلقى في القمامة، ولا مانع من أن يكون متنوعاً لكن في حدود الحاجة.

كما يجب مراعاة مشاعر الجيران محدودي الإمكانيات الذين أضناهم الفقر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعانا وجاره جائع"، وقال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر:" من طبخ مرقاً فليكثر ماءها وليتعاهد جيرانه"، والمتفحص لأحاديث النبي وآيات القرآن العظيم يجدها تحث على الشعور بالآخرين في شهر رمضان.

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسرف ولو كنت على نهر جار" .إن صفة التبذير من صفات الشيطان وهي صفة منبوذة لعدة أسباب أهمها أنه يُشغل الإنسان عن طاعة الله، فالأولى له أن ينشغل بالعبادة وقراءة القرآن، فربة البيت التي تقوم بتجهيز أكثر من صنف من الطعام يؤثر ذلك على ضياع وقت العبادات، كما أن الإسراف يدعو للخيلاء والمباهاة وهذه أمراض قلبية حذَّر منها الإسلام والصيام يعالجها بالتقوى وبالتالي الإسراف فيه تضييع لنعمة الله تعالى خاصة أن الإنسان يفقد الإحساس بالآخرين.التبذير في رمضان إفساد لحلاوة الصيام

ومع وجود المبذرين والمسرفين في رمضان إلا أن هناك من يرفض هذه الظاهرة ويعتبرها إفسادا لحلاوة الصيام فشهر رمضان ليس شهراً للتخمة وإعداد الأطعمة الدسمة. بالإمكان إعداد وجبات خاصة ولكن بكثير من الاقتصاد وعدم التبذير والإسراف، وإذا تبقى جزء من الطعام فيمكن أكله في اليوم التالي.كما أن هناك مجموعة من المفاسد السلبية التي تنتج عن الإسراف وهي أن المبذر لا يشكر نعمة الله عليه والشكر يأتي بالمحافظة عليها وعدم التبذير فقد قال تعالى: "ولئن شكرتم لأزيدنكم". وشكر النعمة يكون في حفظها وإنفاقها بالقدر المعقول، كما أنه يوقع الأسرة في مشاكل كثيرة للإيفاء باحتياجاتها، فإن أكثر عوامل الخلافات الزوجية في المجتمع الفلسطيني تنشأ بسبب الإسراف والتبذير.

وهناك حديث نبوي شريف يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، فحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فاعلاً فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه" وهذه من القيم التربوية العظيمة يجب إتباعها ومنها تنظيم عملية الأكل وكيفية تناوله لتعود الإنسان على أن لا يسرف ويبذر في أكله وشربه.

فيما يلي بعض النصائح والخطوات لتجنب الإسراف والتبذير:

* قبل الذهاب لقضاء مستلزمات بيتك تذكر قوله تعالى في سورة الأعراف (آية: 31): {.....إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وفي سورة الإسراء (آية: 27): {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ...}. فالإسراف والتبذير من الأعمال التي لا يحبها الله – عز وجل -، وقد حذرنا - سبحانه وتعالى – من هذه الصفات السيئة، وليس معنى هذا أن تبخل على أسرتك بما يحتاجونه، ولكن اعتدل ولاتكن مسرفا ولا ممسكا.

* شهر رمضان هو 30 يوما، وهو شهر مثل بقية الشهور تأكل فيه ما تأكله في غيره من الشهور، بل على العكس فالوقت أقل فهو من الإفطار إلى السحور، وعدد الساعات قليلة، لاتحتاج إلى ملىء خزائن المنزل ورفوف الثلاجات بكافة ومختلف الأطعمة والمشروبات سواء كنت تحبها أو لا تحبها بحجة أنك في شهر البركة والخير.*استشعر الغرض من الصيام، والهدف المرجو منه، فالصيام هو عبادة غالية ثوابها عظيم عند الله – جل وعلا -، فهو يساعد العبد على تنقية نفسه وروحه وقلبه من المعاصي والذنوب، فالصوم يحرمك المباح وهو الطعام والشراب، فكيف يكون الحال من المحرمات ؟!كذلك فالهدف الأساسي منه هو الشعور بالآخرين، والإحساس بالفقراء والمحتاجين، وهو تدريب على الصبر والمشقة.

*قبل التوجه إلى الشراء، وقبل أن تتأثر بالمنتجات والسلع والتخفيضات التي تقدمها المحلات التجارية يفضل تسجيل قائمة بالحاجيات اللازمة، هذه نصيحة هامة لابد من اتباعها إذا أردت أن تتجنب الإسراف والتبذير.انظر/ي في خزائن منزلك أولا، وحدد/ي ما هي المنتجات والسلع التي تنقصك ؟ كذلك ينصح بتحديد ميزانية معينة للمشتريات!

*يجب عدم المبالغة وعدم المباهاة في المأكولات والمشروبات حتى تكون أفضل من أقاربك الذين قاموا بدعوتك من قبل على الإفطار، فبالعزومات وتجمع العائلات قد تضيع الثواب منه بسبب الإسراف والمبالغة !

وأخيرا.. ، شهر رمضان هو شهر الصبر والطاعات والعبادات وليس شهر الأكل والتباهي والمبالغة، وهو شهر الإحساس بالفقير والمحتاج، فبدلا من أن تكون مسرفا في أشياء لا تحتاج إليها، حاول أن تكون كريما مع الفقراء والمساكين..

و..تذكر أن المذكور أعلاه لا يعني أنه دعوة إلى أن تكون ممسكا بخيلا، بل كن معتدلا !