X إغلاق
X إغلاق


الأحد 08 ربيع الثاني 1440 | 16 كانون أول 2018


عائلة الشيخ رائد صلاح تفتقد عزيزها على مائدة الإفطار


 في شهر رمضان المبارك، تلتم العائلات على مأدبة الإفطار، تتناول إفطارها وتتبادل الحديث والمزاح، في جو من الألفة والمحبة، لكن آلاف العائلات الفلسطينية، تفتقد الأب أو الابن أو أكثر، فرغم وجودهم المادي في الدنيا، لكنهم مغيبون خلف قضبان السجّان الإسرائيلي. 

واحدة من هذه العائلات، هي عائلة الشيخ رائد صلاح، المعتقل في العزل الانفرادي منذ نحو 9 أشهر، حرمه السجّان في هذا الشهر الكريم من الإفطار مع غيره من أسرى أبناء شعبه، كما غاب عن طاولة إفطار عائلته، وهو الغياب القسري الخامس لشيخ الأقصى عن عائلته في شهر رمضان بسبب سجنه خلال مراحل مختلفة من حياته، واستهدافه من قبل المؤسسة الإسرائيلية.

واعتقل الشيخ رائد صلاح بتاريخ 15/8/2017، وقدمت النيابة العامة لائحة اتهام ضده بتاريخ 24/8/2017، وزعمت فيها ارتكابه مخالفات مختلفة منها: التحريض على العنف، والإرهاب، في خطب وتصريحات له، بالإضافة إلى اتهامه بدعم وتأييد منظمة محظورة، هي الحركة الإسلامية، التي تولى رئاستها حتى حظرها إسرائيليا بتاريخ 17/11/2015.

وقالت السيدة أم عمر، زوجة الشيخ رائد صلاح، إنها زارته مع والدته وشقيقه، يوم الثلاثاء الأخير، في سجن “هشيكما” بمدينة عسقلان، وبدا كما هو دائما في صموده ومعنوياته العالية، يقضي شهر رمضان المبارك في زنزانته بالعزل الانفرادي، متعبدا ذاكرا، ومطالعا إلى جانب تفرغه للكتابة.

وأضافت أم عمر في حديثها”: “كلما زرت الشيخ تعلمت منه معاني الثبات والصمود، معنوياته عالية جدا، دائم الابتسامة، يحثنا دائما على الإلتزام بالثوابت، ويؤكد أن سجنه خلوة ومنحة، لأنه يدفع ثمن تمسكه بمواقفه المناصرة لقضايا شعبنا وفي مقدمتها قضية القدس والأقصى المبارك”.

“نفتقده بطبيعة الحال على طاولة الإفطار كل يوم، ولكن الشيخ واحد من آلاف الأسرى الذين تغيبهم السجون عن عائلاتهم في مثل هذا الشهر، لذلك نقبل قضاء الله تعالى برضا وقناعة إن فجر الحرية قريب على شيخنا وعلى كافة الأسرى”. تقول السيدة أم عمر.

وتقول ابنته لبابة : “شهر رمضان بوجهٍ عامٍ يختلف عن باقي أيام السنة واهتمام العائلة به يختلف أيضًا؛ فطقوسه مميزة وجميلة، وكلٌّ ينتظره لتجتمع العائلة من جديد على مائدة واحدة، وكان والدي يستقبل شهر رمضان، مبتهجًا وفرحًا، ومع ضيق وقته كان يحضّر جدول الطاعات للشهر الكريم كالأوراد وصلاة التراويح وقيام الليل والتزاور، ويُبادر في تطبيقه، لكن بحكم انشغاله خارج البيت لم يكن يُتابع معنا بصورة جماعية، وفي الوقت نفسه كان يسألنا دائمًا ويُحفزنا ويُحثنا على المواصلة”.

الأب المتعاون

للشيخ رائد صلاح، 4 من البنات المتزوجات، تقوم الوالدة بدعوتهن مع أزواجهن وأولادهن للإفطار بين الفينة والأخرى، إلى جانب من بقوا في البيت: قعقاع وصلاح الدين وريحانة ووالدة الشيخ رائد التي تتنقل بين أبنائها، ويتذكرون في مثل هذه الأيام الشيخ رائد، ينظرون إلى مقعده الفارغ في المنزل، ويستعيدون معه شريط الذكريات في أيام رمضان.

تقول أم عمر: “كان الشيخ متعاونا ومشاركا لنا في إعداد مأدبة الإفطار، وكان هو المسؤول عن تحضير طبق السلطة وترتيب الأطباق على طاولة الإفطار، وأحيانًا كان يشاركني في إعداد السحور”.

ويتميز الشيخ صلاح بشخصية هادئة، لا يغضب سريعًا، لا من صغير ولا كبير، وكان يتبع في تربية أبنائه الأسلوب القصصي والتحفيزي، فإذا أراد أن يُحفزهم على شيء أو لحظ عليهم خطأ ما؛ يتعمد مجالستهم وإيصال رسالته بالقصة.

تضيف ابنته ريحانة: “لا نذكر أنه خاطبنا بطريقة مباشرة (مثلًا هذا خطأ أو هذا عيب)، بل كان يقصّ علينا قصص الصحابة والتابعين، وأحيانًا يلجأ إلى مخيلته لإيصال رسالة أو هدف لنا بأسلوب القصة”.

وتستذكر لبابة صيامها أول مرة وهي بالسابعة من عمرها قائلة: “كان يُحفزنا دائمًا على مواصلة الصيام، ويُحبب إلينا هذه العبادة، ولا أذكر أنه اتبع معنا يومًا أسلوب العقاب؛ فهذا ليس ورادًا في تربية أبي، حفظه الله”.

ما الذي كان يُعينك على الصيام؟، تجيب: “لما كنا صغارًا كان يحرص حرصًا شديدًا أن يتفرغ لنا من بعد العصر إلى قبيل أذان المغرب، مع انشغاله الدائم، ليُشغلنا ولا يُشعرنا بطول مدة الصيام، فيأخذنا إلى السوق أو البحر، أو يشغلنا بالمسابقات والفوازير ليُشجعنا على إكمال صيامنا”.

طقوسه في رمضان

كأي أطفال يُقلدون ما يرونه من والديهم كان أبناء الشيخ رائد وقتئذ، ينظرون إلى والدهم على مائدة الإفطار، وهو رافع كفيه قبيل أذان المغرب يُتمتم بالدعوات، فيفعلون كما يفعل، إيمانًا بأنها من طاعات رمضان، وتُشير إلى أن والدها الشيخ يُحب أن يُناجي ربه بالدعوات سرًّا.

ومن المواقف المضحكة التي لا تنساها لبابة تُحدثنا: “كنت أجلس على مائدة الإفطار أنا وأخواتي ينظر بعضنا إلى بعض ونضحك دون سبب يُذكر، فكان والدي ينظر إلينا بحذر لنكفّ عن الضحك فنصمت، ليبدأ هو بالضحك ويضج مجلسنا بالضحك”.

وكان الشيخ صلاح بارًّا بوالدته عطوفًا عليها، ففي اليوم الذي تكون فيه بضيافته يُفرغ وقته كاملًا لها ليجلس معها ويتحدث إليها، فكان كثير السؤال عن أحوالها وصحتها في رمضان خاصة.

وكان من أبرز عاداته أن يُصلي في أهل بيته صلاة الجماعة إذا لم يُصل في المسجد، وصلة الرحم، وزيارة الجيران، وكان يحرص على أداء مناسك العمرة برمضان، إلا إذا كان ممنوعًا من السفر أو داخل السجن.

هل كان شعوركم عند سفره إلى العمرة يشبه شعوركم وهو في السجن؟، تجيب لبابة: “من المؤكد لا، غيابه عنا في رمضان له أثر كبير في نفوسنا، وإن كنت متزوجة ولا أذهب إلى أهلي يوميًّا، فإنّا نفكر فيه كثيرًا كيف يقضي رمضانه بالسجن، أما سفره إلى العمرة فإنه يُشعرنا بالشوق إليه، وليس شعور القلق الذي يسكننا وهو داخل السجن، تظل أسئلتنا مفتوحة: ماذا يفعل؟، كيف يقضي وقته وحده؟، بماذا يشعر وهو بعيد قسرًا عن أهله وأحبابه؟”.

عبق الذكريات يظلّ عِطره عالقًا في روح المرء إلى أن يرحل، فإلى أي المواقف تشتاقين؟، تتنهد ابنة الشيخ صلاح تنهيدة طويلة قبل أن تجيب: “أتمنى أن أسمع أذان المغرب وأنا بجانب والدي وأهلي على مائدة إفطار واحدة، لكن الاحتلال يُنغص علينا الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا”.
وتضيف: “في لحظات يغيب عن بالي أنه والدي وحدي، أشعر أنه أب للجميع، وقدوة ليس لأولاده فحسب بل لكل أبناء الوطن”.

التفاؤل عنوانه

“نعلم ان الشيخ يواجه سجنه بشموخ وإيمان وإصرار على المواقف الملتزمة بقضايا شعبنا، لكن بكل صراحة نشعر بافتقاده دائما، لا سيما في شهر رمضان المبارك، حيث كنا نتبادل معه أطراف الحديث، وكان عنوانه التفاؤل والحديث الإيجابي ويقينه الدائم بنصر الأمة على الظالمين مهما طال ليلهم”، بهذه الكلمات لخّص الأستاذ قصي كبها، صهر الشيخ رائد صلاح، مشاعره وحنينه إلى تلك اللحظات التي شارك فيه الشيخ رائد طاولة الإفطار.

أمّا والدة الشيخ رائد، الحاجة أم محمد، فلا تنفك عن تكرار دعائها لولدها والأسرى بالقول: “الله يفرج عنه وعن جميع الاسرى”. وتضيف: “كلما زرته في السجن، لا يتوقف عن تكرار قوله إنه مرتاح وإن حالته جيده، وحينها اطمئن وبالي يرتاح، لكن عند العودة الى المنزل اعود لأقلق عليه من جديد، أفكر فيه طيلة اليوم وابكي ليلا عندما اصحو للصلاة واتذكر وجوده بيننا”.

والشيخ رائد صلاح، قبل تغييبه في السجون، كان دائم الانشغال، وكان في كثير من المرات يضطر لترك العائلة استجابة لكل طارئ أو مهمة، تقول السيد أم عمر: “أتذكر انه في إحدى المرات وفي اليوم الأول من شهر رمضان، وقع اعتداء على إحدى الكنائس في منطقة الشمال، فما كان من الشيخ رائد إلا ان ذهب للتضامن مع الأخوة المسيحيين هناك، واتصل بي قائلا انه مضطر للإفطار خارج البيت”.

تضيف: “نعلم أن الشيخ نذر حياته لخدمة دينه وأبناء شعبه، لذلك تفهمنا دائما غيابه ونسأل الله تعالى أن يثيبه على مواقفه، لكن يبقى غيابه خلف القضبان في سجون الظالمين، مؤلما، لا سيما أن الشيخ يقبع في العزل الانفرادي، دون أن يشاركه أحد في إفطاره، فيما نحن هنا نتذكر اللحظات التي كنا نجلس معه فيها على طاولة الإفطار”.

رغم الغياب… ينتصر على سجانه

اعتاد الشيخ رائد صلاح، في كل مرة يخرج فيها من السجن، أن يسجّل انتصاره على السجّان، وذلك عبر استغلال كل لحظة من لحظات السجن، في العبادة والمطالعة والتأليف وطرح الأفكار الجديدة الكفيلة بالنهوض بأبناء شعبه عموما وفي الداخل الفلسطيني بوجه خاص.
وأصدر الشيخ رائد صلاح العديد من مؤلفاته والتي تضمنت مذكراته داخل السجون وغيرها من المؤلفات التي ترسم طريق المستقبل في مواجهة التحديات الإسرائيلية، وكان من بين هذه المؤلفات كتابه “أن تعيش في السجن معزولا”، وقد اعتبره عدد من المختصين بمثابة وثيقة مهمة تضاف إلى أدب السجون وهي تغنيه بكل أبعاده الفلسطينية والإنسانية، وقال الشيخ رائد في مقدمة كتابه أن “الأسرى ليسوا أبطالا لأنهم داخل السجون فقط، بل لأنهم تمسكوا بالثوابت رغم السجون”.
كما قال الشيخ عن كتابه “في هذا الكتاب اجتهدت أن انقل صورة حية وأرسم بقلم وبكلمة وليس بألوان، رسمت الأسير منذ بداية يومه كيف يستيقظ من النوم إلى أن ينام بعد منتصف الليل، واجتهدت ان أضيف البعد التحليلي حول علاقة الاسرى مع بعضهم وعلاقتهم مع مديرية السجون، وحاولت ان اكشف عن امور كانت مخفية، ولعلها حتى الآن للكثير من أبناء شعبنا، عن حياة الأسير كإنسان يحق له أن يبنى عالمه الخاص داخل سجنه، وأن يتمتع فيه بحقه أن يأكل وأن يشرب وأن ينام وأن يتلقى العلاج ويشعر بكرامته ويحافظ على إنسانيته، وحقه في الإضراب عن الطعام عندما يغلقون في وجهه كل الأبواب، مثل: إضراب أحد الأسرى، مريض السرطان، وكيف أضرب 40 يوما من أجل ان ينال حقه في العلاج، تحدثت عن الأسير الذي يقيد بقيدين في قدميه وقيدين آخرين في يديه ويربط قيد بينهما، حين يريدون نقله إلى خارج السجن، تحدثت في الكتاب عن الأسير الذي يضعونه داخل قفص عندما ينقلونه للقاء أهله، كتبت عن هذه الحالات والكثير الكثير غيرها”.

وأكد الشيخ رائد صلاح في معرض حديثه عن الكتاب، في حفل إشهاره، قبل نحو عام، أن أعظم علاقة يمكن أن يبنيها الأسير، هي مع الله جلّ جلاله، وقال: “أسرانا أبطال لأن لغة السجون لم ولن تخيفهم ولم تجعلهم يتنازلون عن الثوابت”.

لم تنجح المؤسسة الإسرائيلية في ملاحقتها للشيخ رائد صلاح، من الفت في عضده على الإطلاق، وكان يخرج في كل مرة حرا كما كان في سجنه حرا، منتصرا على سجانيه، الذين يعتقدون أن السجن يمكن أن يحدث تراجعا في أفكار ومشاريع وثوابت الأحرار.