X إغلاق
X إغلاق


الثلاثاء 04 ربيع الأول 1440 | 13 تشرين ثاني 2018


(ولا يزالون مختلفين) عن أم الفحم المستهدفة ثقافيا وفكريا / بقلم : حامد اغبارية



إن تعاطينا مع القضايا الصغيرة مثل تعاطينا مع القضايا الكبيرة، فكل شيء عندنا له قاعدة ننطلق منها في التعامل معه، وهذه القاعدة منطلقاتها ربانية سماوية، لا تتغير ولا تتبدل، رضي من رضي، وسخط من سخط. ولا يمنعنا ميلنا إلى توحيد الصفوف في مجتمعنا، مع ما فيه من مشارب وأفكار وإيديولوجيات، من أن نصدع بالحق ونرفع صوتنا به، كما لا يمنعنا خضوعنا للحق الذي نؤمن به من أن نتعامل بحسن الخطاب، ولين القول والدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن دون تذلل ودون خضوع أو خنوع، ودون تنازل عن ثابت، ودون مجاملات، تصل في أحيان كثيرة إلى نوع من النفاق والعياذ بالله. لا نقبل الدنيّة، ولكن أيضا لا نرضى بالأذية لأحد، ولا نسعى إليها. نمد كلتي يدينا لمن مد إلينا يدا واحدة بالمودة والتعاضد، ولكن لا نقف مكتوفي اليدين إذا جدّ الجد، وصار من واجبنا أن نبين فيه موقفا، ونكشف فيه خللا، ونصوّب فيه اعوجاجا، وندعو فيه إلى ما نراه صوابا. لا يردعنا عن ذلك قولُ قائلٍ: هذه فتنة، أو قولُ متشنجٍّ: هذه رجعية، أو قولُ مبغضٍ: هذه حرب على التقدم والتحضر والثقافة والفن...!

وإذا كان هناك من يظن أن الأمور "فالتة"، وأن "الميدان خلا لحميدان"، فهو مخطئٌ واهمٌ. فإنه لا يزال رجال رجال يقولون الحق، لا يحول بينهم وبينه ظلمٌ ولا عنجهية، ولا انفلات أخلاقي، ولا انتفاش الباطل، ولا علوّ صوته، ولا جعجعات المتخرّصين، الذين يشعلون الفتن ثم يتباكون على المجتمع، ويدْعون إلى حمايته من الفتنة! وهم- للحقيقة- "مبدعون" في أداء الدور وذرف الدموع "البريئة"، غير أن مشكلتهم (الصغيرة) أن طابقهم مكشوف للناس أجمعين.

عن أم الفحم أتحدث. وتحديدا عن الحفل الموسيقي الذي أعلن عن تنظيمه في قاعة سينماتيك هذا الشهر.

وكما في مرة سابقة، وقبل أن يعلن أهل العلم الشرعي الموقف في بيان، ولمجرد أنهم شمّوا رائحة موقف قادم، خاض الخائضون وألقوا بالتُّهم الباطلة جزافا، وراحوا يضربون يمينا ويسارا، وكأني بهم يتمثلون ذلك المثل الشعبي الذي يقول: اللّي على راسه ريشة بحسّس عليها".

قد تبدو قضية الحفل الموسيقي هامشية صغيرة إلى جانب ما يعانيه شعبنا ومجتمعنا جراء ملفات كبيرة، اجتماعية وأخلاقية وسياسية ووطنية وغيرها الكثير. ولهذا ترى الكثيرين يهوّنون من الموضوع، ليس لأنه هيّن، بل لأنها فرصة بالنسبة لهم يطعنون فيها بأهل العلم الشرعي وبالموقف الشرعي. وهذا دأبهم منذ وُجدوا، وأظنهم لن يرجعوا عنه، إلا أن يشاء الله تعالى لهم غير ذلك. غير أن قضية الحفل الموسيقي ليست بالمسألة الهامشية، ولو كانت كذلك لما جيشوا الجيوش، ولما جندوا (البروفيسورات) و(الجمعيات الثقافية) من خلف كل كثيب. بل هي في لب الموضوع. وحتى لو كانت هامشية، فلا بد من تبيان الموقف الشرعي منها، مثلها مثل أية قضية أخرى. وقد أحسنت "رابطة الأئمة والدعاة" في أم الفحم بإصدارها بيانا حول القضية، تبين فيه الموقف، دون أن تخشى في الله لومة لائم.

هي قضية في لبّ الموضوع، وليست هامشية، لأن أم الفحم – كمدينة وكعنوان وكرمز – هي أيضا في لب الموضوع، إن لم تكن لبّ الموضوع ذاته. فالمسألة إذًا ليست مسألة حفل غنائي مختلط (أو غير مختلط) فحسب، بل المسألة حرف بوصلة المدينة عن مركزيتها، وعن طابعها، وعن حالتها المغرقة في الخصوصية، وهي تغيير للأجندة والعودة بها إلى الوراء ثلاثين عاما؛ إلى أيام "السرمحة". فبعد أن أعادها أهلها إلى مكانتها التي تستحق، يأتي اليوم من يريد (أو يريدون) سحقها تحت أنقاض التخلف والجهل، بعد أن أغرقوها بالدماء، وأشاعوا فيها الرعب والفوضى، حتى إذا ذُكرت "أم الفحم" اليوم جفل منها الناس واقشعرت أبدانهم، وتساءلوا: ما الذي أصابها وقد كانت كذا وكذا؟؟

نعم، كانت كذا وأكثر من كذا. كانت منارة ونموذجا يشع نورا وقوة ومنعة وصلابة وتديُّنا ووطنية. وكانت ملجأً وعنوانا. فمن ذا الذي يريد أن ينتهك هذا كله؟ من ذا الذي عمل على إفراغها من مضمونها، وإضعاف متانتها، وقوة حصانتها؟

يكفيني سببا أن ذاك الحفل الموسيقي ترعاه وزارة ميري ريغف، الغارقة حتى أذنيها في مستنقع العنصرية والكراهية لكل ما هو فلسطيني وعربي ومسلم. ذلك الكائن الذي لا يمكن أن يخطر في بال أحد منا أنه يريد بنا أو لنا خيرا أو تقدما أو نهضة أو تعلما أو ثقافة. أفلا يخجل أولئك الذين يصرّون على دفاعهم عن تنظيم الحفل من أنفسهم وهم يعزفون على وتر ريغف هذه؟! أم أن الغاية عندهم تبرر كل وسيلة؟! نعم، الأمر كذلك. وغايتهم محاربة كل وجه إسلامي للمدينة (ولمجتمعنا كله)، ذلك ديدنهم، وطريقهم الذي لا يعرفون غيره، مع ما فيه من قُبح وأوحال.

لست مفتيا، ولا عالما في شؤون الشرع، لكنني مسلم، أستطيع أن أميز الخبيث من الطيب، وأن أقرأ الحدث كما يجب أن يُقرأ. وهذا "الحدث الصغير" هو في الحقيقة كبير، لأن وراءه أجندات، تقف خلفها نفوس خبيثة، لا تريد بهذه المدينة القلعة خيرا. وقد خبرناهم لعقود، ونعرف نواياهم ومقاصدهم وأهدافهم ووسائلهم، كما نعرف أسماءنا.

يقولون لك: "إن الفن والثقافة هما أداة هامة لمحاربة العنف". نعم، هذا صحيح، لكنه كلام حق يراد به باطل. فما هو الفن الذي يمكنه أن يحارب العنف؟ وأية ثقافة تلك التي تواجه ما يعاني منه مجتمعنا من انهيارات على كل المستويات؟ أهو الفن والثقافة التي قادت شعبنا وأمتنا إلى كل الهزائم التي نعرفها؟!

أيَّ فن نريد، وأية ثقافة نحتاج؟

أنا مع الفن، ومع المسرح، ومع السينما، ومع الثقافة. ولكن لماذا يريدون أن يفرضوا على مدينة كأم الفحم أسلوبا فنيا وثقافيا ذا طابع علماني بحت، ثبت فشله أصلا، في كل شيء، ولم يحقق أي هدف من الأهداف التي يتحدثون عنها؛ حتى إذا خرج من ينبّه وينصح ويبين موقف الشرع من مثل هذه النشاطات، رموه بالتخلف والجهل ومعاداة الفن والثقافة؟! إن كان من حق هؤلاء أن يدافعوا عما يرونه حقا ونراه باطلا، أليس من حق غيرهم أن يدافعوا عما يرونه حقا، وإن رآه الآخرون باطلا؟ عجبا لهم كيف يفكرون، وفوق أية أرض مائلة .











1.لا فض فوك ، لا بد ان ترتفع اصوات من مثلك ، المعبرة عن الشعب الفحماوي نفسه الذي يناضل في ظل غياب الوعي الفكري لدى معظمه، قليل من الاولين وكثير من الاخرين ، بل انه واجب هذه الشريحه الصغيره تصحيح اعوجاج الكبيرة بحسن القول وقوة الخطاب.

2018-09-10 17:16:17 - نور - ام الفحم