X إغلاق
X إغلاق


الثلاثاء 12 ربيع الثاني 1441 | 10 كانون أول 2019


حوادث العمل: غياب المهنية وانعدام المسؤولية



تشهد ورشات العمل وخصوصا فرع البناء في البلاد ارتفاعا حادا في أعداد ضحايا حوادث العمل. ووفقا للمعطيات والإحصائيات المتوفرة فإن أكثر من 50% من حوادث العمل القاتلة تقع في ورشات البناء، وغالبية الضحايا من العمال العرب الفلسطينيين.

ووفقا للمعطيات فإن 30 ألف حادث عمل جرى التحقيق في ملابساتها وقدمت فيها 31 لائحة اتهام فقط، أدين من بينهم 8 أشخاص لا غير، وفي الرقابة على ورش العمل، تستثمر 8 ملايين شيكل فقط مقابل 10 مليارات شيكل إنفاق على نتائج حوادث العمل!

وشهد يوم، الإثنين، مصرع 3 عمال عرب في أماكن عمل مختلفة في البلاد، فقد لقي نعمان خليل دعدوش (50 عاما) من أم الفحم، مصرعه متأثرا بجروحه الخطيرة إثر تعرضه لحادث دهس تحت عجلات جرار، وسط البلاد. كما لقي الشاب محمد نضال برغوث (21 عاما) من قرية الولجة، غرب بيت لحم، مصرعه، بعد سقوط حجر بوزن 50 كيلوغراما على رأسه خلال عمله في ورشة بناء في "بيت شيمش"، قرب مدينة القدس. كما لقي العامل محمد أكرم شواهنة (22 عاما) من جلجولية، مصرعه إثر تعرضه لصعقة كهربائية أثناء عمله في "هرتسليا"، بصيانة السخانات الشمسية، في مبنى تجري فيه أعمال ترميم.

وعن حوادث العمل والقصور في معالجتها، حاورنا المحامي رامي شومر من جمعية "عنوان العامل" في الناصرة.

 فقدنا في الأيام الأخيرة ثلاثة عمال في ورشات بناء، وبمراجعة بسيطة تكتشف أن حوادث العمل في ورشات البناء بالبلاد من أعلى النسب في العالم، لماذا؟

شومر: فعلا، نلحظ في الأيام الأخيرة ازديادا ملحوظا في وتيرة حوادث العمل القاتلة في فرع البناء، وقد يعود السبب إلى ضغط العمل في ورشات البناء بعد عطلة طويلة بسبب الأعياد اليهودية في شهر أيلول، لكن هذا الوضع المقلق مستمر منذ سنوات، وهذا العام تحديدا لمسنا ارتفاعا جديا في عدد حوادث العمل المميتة مقارنة مثلا بالعام المنصرم. ولغاية اليوم لقي 36 عاملا مصارعهم في حوادث العمل بينما في السنة الماضية لقي 35 عاملا مصارعهم في حوادث العمل. وفعلا مقارنة بالدول المتقدمة تعتبر إسرائيل الأسوأ في هذا الشأن. وهذا يعود بالأساس إلى إهمال وتقاعس المؤسسات والأجهزة الرسمية ذات العلاقة بالموضوع، كوزارة العمل ووزارة الإسكان والشرطة الإسرائيلية، أضف إلى تشريعات قانونية سنت في الخمسينيات ومنذ ذلك الحين ولغاية يومنا هذا لم تقم الدولة بتعديلها، ولنأخذ مثالا على ذلك مبنى ونوعية السقايل في ورشات البناء والتي تبعد سنوات ضوئية عن المطلوب والمتبع في دول العالم المتطورة والتي تدعي إسرائيل بأنها جزء منها.

على من تقع مسؤولية توفير الأمان والسلامة في ورشا البناء؟

شومر: وفقا للقانون تقع المسؤولية المباشرة على مدير العمل في ورشة البناء، فهو المسؤول الأول عن توفير شروط السلامة والصحة المهنية للعمال في الورشة كما في كل مكان عمل آخر، ولكن للمؤسسات الرسمية دور مركزي في تطبيق قوانين السلامة في العمل ومراقبة المشغّلين ومعاقبتهم وردعهم في حال خرقوا قوانين السلامة. هذه الجوانب التي تقع ضمن مسؤولية المؤسسات الرسمية تعاني من خلل جذري نتيجة للإهمال وشح الموارد المخصصة لموضوع السلامة، فمثلا وكما هو معلوم يوجد في مديرية السلامة بوزارة العمل 22 مراقب عمل فقط يتحملون مسؤولية مراقبة قرابة 13 ألف ورشة بناء في البلاد، ومعدل إجراء زيارة تفتيشية لورشة بناء هو مرة كل سنتين ونصف حتى ثلاث سنوات. معطى يختصر الكثير من الشرح لتوضيح حجم الإخفاق وإهمال الدوائر الحكومية في كل ما يتعلق بسلامة عمال البناء. وكما أن المراقبة غير القائمة تقريبا، كذلك الأمر في كل ما يخص بالتحقيق مع المقاولين، معاقبتهم وردعهم، خصوصا في أعقاب حوادث العمل. وكذلك فإن الشرطة الإسرائيلة تحقق في عدد ضئيل جدا من حوادث العمل في فرع البناء وتحديدا تلك التي تسبب بمصرع عامل أوإاصابته بصورة بالغة، لكن حتى هذا الكم الضئيل من التحقيقات لا يجدي نفعا إذ أن غالبية ملفات التحقيق تغلق بحجة عدم توفر الأدلة. والقلة القليلة من القضايا التي تصل أروقة المحاكم تأتي بعد مرور 3 - 4 سنوات على الحادثة، الأمر الذي يؤثر على العقوبات المتدنية الذي تفرضها المحاكم على المقاولين، وهي عمل بضعة أشهر في خدمة الجمهور وغرامة بقيمة 5 - 7 آلاف شيكل. ونحن في جمعية "عنوان العامل" قدمنا التماسا للمحكمة العليا يطالب بالكثير من التعديلات للوضع الحالي، منها زيادة عدد المراقبين في مديرية السلامة في العمل، التحقيق في جميع حوادث العمل وإقامة وحدة تحقيقات قطرية للتحقيق في حوادث العمل، فورا، تشمل محققي شرطة إلى جانب محققين من مديرية السلامة والذين يقدمون الجانب المهني المطلوب وغير المتوفر، اليوم، في مجال التحقيقات الجنائية في إطار حوادث العمل.
 وفقا للإحصائيات فإنه تستثمر 85 مليون شيكل للرقابة في ورش العمل ومن بينها فرع البناء، وتنفق 10 مليارات شيكل نتيجة تعويض ومعالجة مصابين في البلاد كل عام. ألا يضيء هذا الأمر الضوء الأحمر أمام المسؤولين على الأقل من باب الحد من الإنفاق؟
شومر: هذه المعطيات يجب أن تضيء فعلا الضوء الأحمر لدى السلطات الرسمية، لكن ورغم معرفة الأخيرة بهذه المعطيات وهي كما تعلم معطيات قائمة ومستمرة منذ سنوات إلا أنها، على ما يبدو، ليست بالكافية من أجل حث السلطات الرسمية على تنفيذ الخطوات المطلوبة. لا تنسى أن المقاولين بمثابة لوبي قوي داخل المؤسسات الرسمية في حين أن دور العمال مغيب تماما في تلك الأروقة.

يستدل من المعطيات أن الغالبية الساحقة من ضحايا حوادث العمل وخصوصا في ورشات البناء هم من العمال العرب والأجانب. هل هذه المعطيات هي السبب وراء إهمال السلطات لهذه الحوادث؟
شومر: نحو 95% من قتلى حوادث العمل في فرع البناء هم العمال من العرب والأجانب. ويشكل العمال الفلسطينيون من طرفي الخط الأخضر الغالبية العظمى وهي 85% من القتلى. وهنا يكمن فعلا التفسير المركزي للإهمال الحكومي المتجذر منذ أعوام.

"-": ماذا عن المصابين في حوادث العمل. 256 حادث عمل في فرع البناء وحده في العام الماضي 2017، هل هذه المعطيات طبيعية مقارنة مع دول أخرى؟
شومر: تقع مئات حوادث العمل في فرع البناء كل عام. 256 حادثة عمل وقعت في العام 2017 تشمل فقط الحوادث التي تسبب بإصابات لعامل وصفت بأنها خطيرة ومتوسطة. نحن نرصد الحوادث التي تبلغ عنها "مؤسسة نجمة داود الحمراء" الطبية، وهي لا تشمل حوادث تسبب إصابات طفيفة للعمال أو تلك التي لا تسفر عن إصابات. جميع المؤشرات تؤكد أن عدد حوادث العمل في البلاد مرتفع جدا مقارنة بدول العالم المتطورة. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة عمال البناء القتلى في البلاد أكبر بضعفين ونصف من النسبة في دول الاتحاد الأوروبي و7 أضعاف في بريطانيا.
 هل غياب الرادع للمشغلين والشركات هو السبب وراء الارتفاع المتزايد لحوادث العمل؟
شومر: واضح أن غياب دور السلطات الرسمية يؤدي إلى ازدياد حوادث العمل. آلية الردع والمراقبة وتطبيق القانون هي الوسائل الأساسية وبدونها لا يمكن الحد من حوادث العمل في فرع البناء.