X إغلاق
X إغلاق


الأربعاء 12 ربيع الأول 1440 | 21 تشرين ثاني 2018


محمود جبارين يروي 30 عاما من الأسر


 كانت الساعة العاشرة صباحا، سكون الصباح هيمن على المشهد، لم تكن أم الفحم مكتظة كعادتها. عند دخول حي الجبارين في المدينة، تغير المشهد، وارتفعت أصوات احتكاك صور كثيرة وزينة عُلقت على جدران الحي وأسطح المنازل، إنها صور الأسير المحرر محمود عثمان جبارين (55 عاما) الذي قضى 30 عاما في الأسر. 

وإن كانت الصور عادية إلا أنها تثير في النفس أشياء كثيرة، صورة أسير قضى عقودا في السجون الإسرائيلية تنتصب لتجسد رواية شعب وقصة وطن.عند الدخول إلى بيت الحاج عثمان جبارين، البيت الصغير المتواضع، وجدنا الوالد المقعد يجلس شامخا في غرفة الضيوف، وعلى أطراف الغرف والجدران العديد من الصور المؤطرة، غالبيتها لابن العائلة الأسير المحرر، ووالدته التي توفيت قبل أن تراه في البيت.

شوق وحنين
استقبلنا الأسير المحرر، جبارين، كمن انتظر اللقاء فترة طويلة. تحدث بتأثر بالغ عن أكثر من اشتاق إليه في سجنه، لم يتمالك نفسه ولم يقو على إخفاء دموعه، رغم إظهاره بعض القوة والتماسك. كان الحديث عن والدته المرحومة مؤثرا جدا.
اعتقلت السلطات الإسرائيلية، جبارين، في تاريخ 08.10.1988 وفرضت المحكمة عليه السجن المؤبد بتهمة "الانتماء إلى فصائل المقاومة والقيام بعمليات عسكرية ضد مواقع إسرائيليّة"، وبعد التوجه إلى المحكمة العليا جرى تحديد السجن المؤبد عليه 30 عاما وليس مدى الحياة. وأفرج عنه قبل نحو شهر فاستقبلته بلدته أم الفحم ومجتمعه العربي الفلسطيني في البلاد.
وفي هذا السياق،تمت محاورة الأسير المحرر محمود عثمان جبارين.

 بعد ثلاثين عاما بالأسر كيف تعرفنا عن نفسك؟
جبارين: أنا الأسير المحرر محمود عثمان جبارين، أبلغ من العمر 55 عاما، دخلت السجون الإسرائيلية حيث كان عمري 24 عاما ونيف، أحمل اللقب الأول في العلوم السياسية، واللقب الأول في الصحافة والإعلام من الجامعة الأميركية، تعلمت أيضا في الجامعة المفتوحة موضوع العلاقات بين الدول، لكن جرى إيقاف تعليمي بعد عاصفة أسر الجندي شاليط، وتم منعي من التعليم منذ ذلك الحين.

ما هو أكثر شيء اشتقت إليه خلال الثلاثين عاما في الأسر؟
جبارين: لا غنى عن الحرية، فالحرية لا تقدر بأي ثمن. اشتقت للحرية كثيرا، ولكن أقول للجميع إنني دفعت ثمنا باهظا، 30 عاما في الأسر بين أسوار السجون اللعينة والبغيضة، هناك الأسيرات العفيفات الشريفات في سجون الاحتلال، وكذلك هناك الأسرى الذين يعانون الأمراض المختلفة، أتمنى لهم الإفراج العاجل بإذن الله. كنت اشتاق للحرية من أجل أمي التي انتظرتني طويلا، وفي العام الأخير توفيت، قبل إطلاق سراحي بنحو 8 شهور، وكان هذا صعب جدا علي، ولكن نقول دائما ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اشتقت إلى أمي ولعائلتي، والآن، أنا في حضنهم والحمد لله.

 ماذا تتمنى اليوم بعد 30 عاما من الأسر؟
جبارين: أتمنى أن نصلي جميعا في المسجد الأقصى الذي ذكر في القرآن الكريم. وأتمنى الحرية ورفع الحصار عن غزة هاشم فهي، اليوم، أكبر سجن على وجه الكرة الأرضية، وعلى أرضها تكسرت كل المؤامرات، فيها الأمهات اللواتي يلدن الرجال، فيها إخواننا في فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، نبارك صمودهم في وجه الاحتلال وأمام كل العالم، ونبعث سلامنا إليهم من الداخل الفلسطيني، وأتمنى أن يفرج الله كربهم وأن يكون الشعب الفلسطيني كله تحت راية دولة واحدة مستقلة.

 ما هو أكثر شيء تغير في أم الفحم منذ آخر يوم رأيتها فيه قبل أسرك؟
جبارين: أم الفحم صخرة تكسرت عليها كل المؤامرات. تغير الكثير فيها، سواء على الصعيد السكاني أو المعماري، لكن أقول للجميع إنه مهما تغيرت فستبقى أم الفحم بلدة يحتذى بها، كما كل بلداتنا في الداخل الفلسطيني، وأسأل الله أن يجمعنا سوية لإعلاء كلمة الحق. لمست أن بعض العادات والتقاليد تغيرت، ولكن سيكون هذا التغيير في الاتجاه الإيجابي وليس السلبي بإذن الله.

 ما هي مطالب الأسرى في السجون الإسرائيلية؟
جبارين: مطالب الأسرى واضحة، هي رسالة واحدة لجميع أبناء شعبنا الفلسطيني ولقياداته في الضفة والقطاع والقدس، الوحدة ثم الوحدة، قانون الوحدة يا أخي هو قانون الانتصار، نسأل الله أن يوحد هذا الشعب. انظر ماذا أتانا أخيرا، ترامب المارق الذي باع القدس لإسرائيل، الأمر الذي لن نفرط به أبدا وستبقى القدس عاصمة دولة فلسطين الأبدية إن شاء الله. وهناك رسالة ثانية، وهي أنه على كل الفصائل الفلسطينية أن تعمل على إطلاق سراح الأسرى ومنهم عمالقة الأسرى، محمد سليمان جبارين، كريم يونس، ماهر يونس، ظافر فتحي جبارين، إبراهيم إغبارية، يحيى إغبارية، زياد جبارين، أحمد أبو جابر، وليد دقة، إبراهيم وصالح أبو مخ، والقائمة طويلة. نطالب الجميع بالعمل جاهدين من أجل إطلاق سراحهم عاجلا.



 ما هي الاحتياجات الضرورية للأسرى؟
جبارين: الاحتياجات الضرورية كثيرة، ولو جلسنا حتى الصباح لنعدها فلن ننتهي منها، لأنها كثيرة وقد حرم منها الأسرى، وخضنا من أجلها نضالات ضارية داخل السجون كمعركة الأمعاء الخاوية والإضراب المفتوح عن الطعام، كي نحصّل إنجازات ومطالب بسيطة تليق بنا كفلسطينيين وكأسرى، وهذه الإنجازات حققنا جزءا منها، وما حققناه تعمد بدماء الحركة الأسيرة، فنطالب الجميع أن يقفوا جنبا إلى جنب قضية أسرى الحرية.

 ما هي المعاناة في قاموس الأسير؟
جبارين: الأسير يعاني الأمرين، مُر الأسر ومُر السجان، البرد القارس في الشتاء، والحر الشديد في الصيف، والروائح الكريهة، والزنزانة، والعزل الانفرادي، وحدّث عن ذلك فلا حرج. نسأل الله الثبات لجميع الأسرى في السجون، والنصر آتٍ إن شاء الله. وفي خضم هذه المعاناة تعيش أيضا عائلات الأسرى معاناة شاقة جدا، أبناؤها يعيشون بين هنا وهناك ويتحملون مشاق السفر إلى السجون في الزيارات، وتراكم الإرهاق من السفر لأعوام طويلة.



 هل لك أن تصف السجن، وكيف تراه؟
جبارين: السجن زنازين معتمة، مظلمة، ضيقة، فيها أكثر نقطة اكتظاظ سكاني في العالم، ودرجة رطوبة عالية جدا، وأوضاعها وظروفها قاسية جدا، ومع ذلك تسلحنا بالصبر والصمود في وجهها ولم ير سجّاننا بؤسنا، بل كنا نقف أمامه أكثر قوة مما كان في داخلنا.

 ماذا تقول لأهالي أم الفحم بشكل خاص، والمجتمع العربي بشكل عام؟
جبارين: قلبي كان دائما خلال الأسر مع أم الفحم، كنت أتابعها عبر وسائل الإعلام، وما كنت أشاهده في التلفاز وأسمعه على المذياع أو اقرأه في الصحيفة كان يحزنني ويبكيني وخصوصا قضية العنف المستشري في مجتمعنا العربي وبلدتي أم الفحم، هذه الظاهرة ليست من إسلامنا وليست من عاداتنا ولم يكن هذا قبل 30 عاما. أسأل الله أن يجمع أهالي أم الفحم الأحرار على قلب رجل واحد في سبيل أن يقفوا سدا منيعا في وجه هذه الظاهرة السقيمة. هناك الكثير من الشخصيات الشريفة في أم الفحم، يعملون ليل نهار من أجل المجتمع ولا يمكن أن نقدر ما يقدمونه للمجتمع. نقول للأهل أن انظروا إلى النصف المليء من الكأس، وقريب جدا سيكون الخير حليف أم الفحم. وفي النهاية، أرسل التحية إلى مندوبي الصحافة الفلسطينية الذين يكابدون العناء القاسي من أجل نقل الحقيقة للناس.