X إغلاق
X إغلاق


الجمعة 19 رمضان 1440 | 24 أيار 2019


لقاحات الأطفال.. مؤامرة عالمية أم ضرورة صحية؟


 أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" حملة عالمية خلال "أسبوع التمنيع العالمي" للتأكيد على أن اللقاحات آمنة وناجعة، لضمان حصول جميع الأطفال على اللقاحات، وسط أصوات تنادي بالامتناع عنها، وإعطاء الأهل حرية الاختيار في تطعيم أبنائهم. 

وقالت المنظمة إن اللقاحات تنقذ أرواح حوالي 3 ملايين طفل سنوياً، في حين أن 20 مليونا لا يا يزالون غير محصنين بشكل كافٍ ومعرضون للإصابة بأمراض خطيرة يمكن أن تصل مضاعفاتها إلى الوفاة.
وأشارت المنظمة إلى أن عددا من الأهالي يختارون ألا يحصنوا أطفالهم، بسبب تصورات خاطئة عن اللقاحات، أو الاعتقاد بضآلة احتمالية الإصابة.
من جهتها، رصد عددا من الحملات الغربية والعربية التي تدعو إلى الامتناع عن أخذ المطاعيم، وعددا من الأشخاص الذين قالوا إن أطفالهم تضرروا بسببها، في حين أكد خبراء أن المطاعيم آمنة وأن المخاطرة بعدم تناولها مغامرة قد تجلب كارثة صحية.
ويتهم القائمون على بعض الحملات التي تدعو للمقاطعة، وبعض المقاطعين، العاملين على اللقاحات بالعمل ضمن مؤامرة عالمية لإضعاف الجنس البشري.

حملات مقاطعة
وتحدثنا إلى أحد القائمين على حملة عربية للمقاطعة، المتطوعة بنشر التوعية عن ما وصفته بـ"أضرار التطعيم"، والمؤسسة لموقع يدعو لوقف "التطعيم الإجباري"، فاطمة عيسى، والتي أوضحت أن حملتها تلقى رواجا على المستوى الشعبي بعدد متابعين بالآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعلى المستوى الرسمي، قالت عيسى إن هنالك تجاوبا "أوليا" من أعضاء في مجلس الأمة الكويتي بعد رسالة مفتوحة طالبتهم بتعديل قانون حقوق الطفل، وإزالة العقوبات على أولياء الأمور الذين اختاروا عدم تطعيم أولادهم.
وقالت النائب في مجلس الأمة الكويتي، صفاء الهاشم، العام الماضي، إنها تقدمت مع أربعة نواب آخرين باقتراح لتعديل قانون حقوق الطفل، وأهمها حق ولي الأمر بتطعيم ابنه.
وأشارت عيسى إلى أن ما تدعو إليها حملتها ليس خيالا ولا فرضية مؤامرة، بل هو مرتكز إلى عشرات الدراسات والأبحاث التي توضح مخاطرها المباشرة أو تأثيراتها.
وأكدت أن حملتها تستند على تقرير عن اللقاحات أصدره مجموعة من الأطباء والعلماء في العام 2011.
وتابعت بأن برامج التعويض عن أضرار التطعيم موجودة في 19 دولة حول العالم، والبرنامج الأمريكي دفع تعويضات بـ4 مليارات دولار منذ عام 1986.
ولفتت عيسى إلى عدد من الحالات الموثقة عربيا في سوريا، والجزائر، وتونس، وقالت إنها يروج لها إعلاميا على أنها خطأ طبي، أو لقاح فاسد.
وأشارت إلى أنها سجلت مع قناة فضائية برنامجا يتضمن شهادات العام الماضي، لكنه منع من النشر بطلب من وزارة الصحة السعودية، بحسب تعبيرها.

إشاعات محزنة
على جانب آخر، تواصلنا، مع المتخصصة بالأمراض المعدية والمطاعيم، البروفيسور نجوى خوري، الرئيسة السابقة للجنة المطاعيم في الأردن لعشرين عاما، والعضوة الحالية في اللجنة الإقليمية للمطاعيم التابعة لمنظمة الصحة العالمية.
وأشارت خوري إلى أن الدول التي أحجم فيها البعض عن المطاعيم ظهرت فيها الأمراض من جديد، وأبرز مثال على ذلك انتشار مرض الحصبة على نطاق واسع في مناطق بالولايات المتحدة الأمريكية، ووصوله إلى طلبة الجامعات.
وأكدت أن الأمراض التي تقي منها المطاعيم لم نعد نراها ببساطة لأننا نتلقى المطاعيم، وليس لأنها اختفت، أو انقرضت، وأنه إذا تم التوقف عن تناول المطاعيم لفترة من الزمن فإن الأمراض ستعود للظهور وتضاف إلى لائحة الأمراض المعدية.
وتابعت بأننا لا نرى الآن الأعراض الخطيرة لهذه الأمراض، وكونها غير منظورة لا يعني أنها ليست موجودة.
وأضافت: "لو سألنا آباءنا وأجدادنا سيخبروننا عن أطفال في العائلة ماتوا من الحصبة".
وبلغة الأرقام، قالت خوري إن الحصبة كانت تقتل ما نسبته 5 إلى 10 بالمائة من المصابين خصوصا بين صغار السن، إلى جانب أنها كانت تسبب بالإعاقة لأنها تؤثر على الدماغ بنسبة 1 بالأف بسبب التهاب دماغي يؤدي إلى إعاقة، إلى جانب العمى الذي قد تسببه أيضا.
وذكرّت خوري بأنه إبان انهيار الاتحاد السوفياتي، توقف الناس هنالك عن تلقي المطاعيم بسبب غياب المنهج والمنظومة، فظهرت آلاف حالات الدفتيريا بين الكبار، في حين كان يظن الناس أنها انتهت وانقرضت.
وقالت إنه في العام 1978 دخل إلى مستشفى الجامعة الأردنية 74 طفلا مصابا بالشلل خلال 3 أشهر لأنهم لم يتلقوا المطاعيم التي كانت كانت بصورة فردية في تلك الفترة، الأمر الذي دفع إلى إنشاء "برنامج التطعيم الوطني" الذي قالت إنه يعد من أفضل البرامج، وبفضله لا يوجد الآن أي حالات لشلل الأطفال.
وأشارت إلى أن هنالك "صناعة تهويل" بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كتب أحد الأطباء مقالا أشار فيه إلى أن أحد أنواع الأمراض كان بسبب أحد المطاعيم، وثبت لاحقا أنه استنتاج غير صحيح، وسحبت المقالة المنشورة، وسحبت الرخصة من الطبيب، لكن الضرر كان قد حصل.
وأكدت أن الامتناع الفردي عن التطعيم نوع من الأنانية، لأنه قد ينقل المرض إلى الآخرين، والاستجابة الجماعية للاحجام عن اللقاحات يمكن أن تتسبب بمشكلة كبيرة، وظهور أوبئة.
ولفتت خوري إلى انزعاجها من الحملات الداعية إلى عدم تلقي المطاعيم، وتخوفها من أن تشوش هذه الحملات التي تأتي ربما من الخارج، على المنطقة العربية، وإن ذلك يمكن أن يتسبب بظهور وباء الخاسر الوحيد فيه هو المنطقة، لكون أحدهم كتب على الإنترنت أن المطاعيم ضارة ودعا لمقاطعتها.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي أن اللقاحات مأمونة جداً، وأن الاحتمال بأن يتضرر الطفل من جراء الأمراض التي يمكن منعها باللقاحات هو أكبر بكثير من أن يتضرر بفعل اللقاحات، مؤكدة على أنها تخضع إلى اختبارات مشددة للتأكد من أنها مأمونة، بما في ذلك تجارب سريرية، وذلك قبل الموافقة على استخدامها من قبل الجمهور. ولا تُسجِل البلدان أو توزع سوى اللقاحات التي تلبي معايير مشددة للجودة والأمان.
وتواصلنا مع أحد الحالات التي يقول صاحبها إن ابنه توفي بسبب المطعوم الثلاثي MMR قائلا إنه مطعوم سيء السمعة على المستوى العالمي.
وأشار والد الطفل المتوفى، أنس أبو هلال، إلى أن ابنه لم يكن يشكو من أي أمراض، لكنه مرض بعد يومين من تلقي المطعوم، وتوفي بعد 55 يوما من العلاج.
ويقول أبو هلال إن المطاعيم "كذبة عالمية" تهدف إلى تسويق أدوية الشركات الكبيرة، والاستمرار في زيارة الأطباء الذين قال إنهم "يتاجرون في حياتنا".
وتابع بأن طفله أصيب بالحمى بعد تلقي المطعوم، وبدأ بالعلاج في مستشفى خاص بأمراض المناعة، وإن التشخيص كان أنه مصاب بمرض مناعي نادر يدعى "البعلمة"، أو "الخلايا الأكولة".
وأشار إلى أن علاج المرض كان بزراعة نخاع العظم وهو ما حدث، إلا أن حالة طفله بدأت تسوء إلى أن انتهت بالوفاة.
وأكد أبو هلال أن سبب مرض طفله هو المطعوم الثلاثي، لكنه أوضح بنفس الوقت أنه لا يمكن له الحصول على تقرير طبي صريح بذلك لأنه يعيش في بلد عربي، على حسب تعبيره.
مناعة مجتمعية
من جانبها قالت البروفيسور المتخصصة بالأمراض المعدية والمطاعيم، إن مضاعفات المطاعيم نادرة جدا، وإن التركيز على النادر سوف ينسينا الفائدة الكبرى.
وأشارت إلى أنه يتوقع أحيانا يصاب الطفل الصغير بمرض آخر متزامن مع المطعوم، مشيرة إلى أن أي حالة تتزامن مع المطعوم يجب مراقبتها، وفحصها بشكل متخصص من خبير بأمراض الأطفال والأمراض المعدية والبحث عن العلاقة.
وأشارت إلى أن تفاقم مرض آخر تزامن مع المطعوم يمكن أن يؤدي إلى الوفاة.
وأكدت على أن اللقاحات أنقذت الكثير من الحيوات حول العالم إذ كان ما يقرب المليونين يموتون سنويا من الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي.
ودعت خوري الناس إلى قراءة الأرقام، والتثقف، والتوجه إلى المختصين بهذا الشأن، وإلى المقارنة بين ما كنا نراه سابقا وما نراه الآن، والبحث في الأرقام، وعدم تضييع الفرصة على أطفالنا.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنه "إذا حصل عدد كافٍ من الناس على التحصين ضد مرض معين في مجتمعك المحلي، فيمكن لهذا المجتمع أن يصل إلى ما يسمى بالمناعة المجتمعية. وعندما يتحقق هذا الأمر، لا يُتاح للأمراض أن تنتقل بسهولة من شخص إلى آخر لأن معظم الناس محصنون. وهذا يوفر طبقة من الحماية ضد المرض حتى لأولئك الذين لا يتمكنون من الحصول على لقاح معين، من قبيل الأطفال الصغار".
وتَحول المناعة المجتمعية دون انتشار الأمراض أيضاً من خلال زيادة صعوبة انتشار المرض، مما يجعل وجود المرض نادراً بصفة مطردة، وهذا يؤدي أحياناً إلى اختفائه تماماً من المجتمع المحلي، بحسب المنظمة.