X إغلاق
X إغلاق


الخميس 14 ربيع الثاني 1441 | 12 كانون أول 2019


تأمل - بقلم : الشيخ عبد الرؤوف ابو شقرة


بدّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اسم أبي الحكم إلى أبي جهل، وسمّاه فرعون هذه الأمّة وحضّ حسّان بن ثابت رضي الله عنه أن يهجوهم وأيّده بروح القدس..

لكن في مقام آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبّوا أباه، فإنّ سبّ الميت يؤذي الحيّ، ولا يبلغ الميت"
الأوّل تبيان حال امرئ في مقام يفتن الناس فيه..
والثاني مراعاة مشاعر المؤمنين وتثبيتهم..
- قال: يا رسول الله أين أبي ؟

أي ما مصيره وقد مات قبل البعثة..
قال: هو في النار..

فحزن الرجل وتبدّل حاله ومع ذلك لم يسبّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أباه الكافر ويزيد ما به بل ناداه وقال ليخفّف عنه ويواسيه: إنّ أبي وأباك في النّار !

-وكذا رغم كثرة ذمّ بني إسرائيل في الكتاب لغاية وحكمة وتنفير الناس من مشابهة أفعالهم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعائشة في موطن تذبّ فيه عنه وتشتم يهود لأذيتهم رسولَ الله: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ أَوِ الفُحْشَ"
فلا فائدة ولا منفعة من الشتيمة في هذا الموطن، فالعبرة بالغاية والمقام..

- وكذا معلوم شدة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره في ابن عربي وتبيان كفريّاته مع ذلك كان يقول أحيانا: "الله أعلم بما مات عليه"

- ليست الحكمة في معرفتها فحسب، بل بحسن استعمالها وعرضها وموضعها وإلّا كانت والطيش سواء ! هذا على فرض أنّ ما يُسوّق حكمة من الأساس !

ثم تفرّس في النّاس وفي قولتك فقد لا تزيد إلا بلاء وفتنة فتكفّ أو تؤخّر..

فرغم أنّ الخمر كبيرة إلّا أن فقه ابن تيمية رحمه الله جعله يمنع أتباعه من زجر جند التتار عن شرب الخمر، فإنّ النهي عن المنكر هنا يأتي بمنكر أعظم فإنّهم إن فاقوا أعملوا السيف في المسلمين ! وإنكار شيئ تراه أنت منكرًا في لحظة حامية سريعة مؤثرة لا يُسمع لك فيها ويردّ عليك بنقيضها ليس من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شيء..

النّار لا تشتعل في الخضراء، ولكن إن اشتدت في اليبس، يصبح الأخضر واليابس وقودًا لها على حدّ سواء..

حينها لا خير من أرض صامتة تخمد فيه الألسن وتبرد وحدها..

وحينها قل ما تريد شفقة وحبًّا وغيرة على من تدعوهم وحرصًا على هدايتهم لا لتبرز أنّك في صفّ لا مثيلك لك به..

فإنّك لو كنت في صفّ المهتدين ولم تحسن سريرتك لن تفلح ولن يسلعدك موضعك شيئًا !

- (فاصدع بما تؤمر) لا يلزم منها الشتم والنقيصة، بل قد تكون في غاية الرفق وحسن الأسلوب..

فإنّ الصّدع بالأمر قد شمل شفقة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على عمه أبي طالب وقوله: " أي عم (أي أداة نداء للتقريب): قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"
وشملت وقوفه في بطن مكة يدعو القبائل بأسمائها وبأحسن أسلوب..

وإن كنّا نتحدّث هنا عن نماذج من التّعامل مع الكافرين فالمسلمون المحيطون بك من أيّ تيّار أولى بالرحمة والسعة والحرص والمراعاة..

اتقوا الله في أقوالكم وأفعالكم وفي سرائركم..
(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)