X إغلاق
X إغلاق


الخميس 23 ربيع الأول 1441 | 21 تشرين ثاني 2019


عمق الانتقاد كعمق التغول


 

أعترف أنني مقاطع مبدئيا لانتخابات الكنيست منذ بلغت السن القانوني للإنتخاب، وأعترف أن لي إخوة وزملاء وأصدقاء ممن يشاركون في انتخابات الكنيست، بل من أعضاء الكنيست العرب، فمنهم من هو صديق وتجمعني به أواصر القربى العائلية، ومنهم من هو صديق وزميل في مؤسسات مختلفة من مؤسسات شعبنا، ومنهم من هو كذلك ثم هو أخ في الله يجمعني به سقف المسجد وسجادة الصلاة، ومع جميعهم تجمعنا ساحات النضال المختلفة، هكذا كان الوضع وهكذا سيبقى، فأصدقائي وزملائي وإخواني أولئك لهم قناعاتهم الكنيسيتية ولي أنا قناعاتي البعيدة عن الكنيست بعد المشرقين، لكن مع قناعات كلٍّ منا بموقفه فإن الود والاحترام والمحبة تبقى تجمعنا.
ولما كان الأمر كذللك، فإن مقاطعة انتخابات الكنيست لدى المقاطعين هي مقاطعة مبدئية لها تأصيلها الشرعي والوطني والمصلحي، وعليه فإن النقاش مع مؤيدي المشاركة في انتخابات الكنيست هو نقاش مبدئي حول صلب المشاركة ذاتها، وليس حول آليات وأدوات عمل أعضاء الكنيست العرب المحصورة أصلا، فهم لا شك لديهم الإستعداد الكامل للعمل الوطني والخدماتي لمجتمعهم وشعبهم، وإن كانت مهمة عضو الكنيست مهمة تشريعية، وليست خدماتية، فالأخيرة من مهمة الجهاز التنفيذي في الدولة، وليس الجهاز التشريعي، ولذلك فإننا نحملهم فوق طاقتهم عندما نطلب منهم مهمات تنفيذية هي ليست من صلب مهامهم ، أما المهام التشريعية فكلنا نعلم أننا نعيش في دولة لا يمكن لأعضاء الكنيست العرب ان يتمكنوا من تشريع القوانين التي تعود بالنتائج الإيجابية على مستوى الحقوق الجماعية لشعبنا الفلسطيني على كل خارطة الوطن، ناهيك عن الحقوق الجماعية لمجتمعنا الفلسطيني في الداخل الذي تسعى إسرائيل لتفكيكه من كل ما يمكن ان يسمى حقوقا جماعية لشعب!!.
ثم لا بد أن ننوه إلى مستوى الأداء السياسي الوطني لأعضاء الكنيست العرب الذي انخفض في السنوات الأخيرة الى أدنى مستوياته بعد حملات التحريض والملاحقة التي تقودها أطراف اليمين في إسرائيل سواء كانت في الكنيست أو خارج الكنيست، فكلنا شاهدنا كيف كانت حملة التحريض اليميني الرعناء على عضو الكنيست السابق جمال زحالقة بعد اذ شارك في حفل تأبين لأحد شهداء الضفة الغربية، وكذلك بتنا نرى التحريض السلطوي على المجتمع العربي وبضمنه أعضاء الكنيست العرب لدى المشاركة في احتفالات تحرير الاسرى السياسيين، او لدى المشاركة في برامج لجمعيات تدعو لمقاطعة إسرائيل بسبب سياساتها العدوانية تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني، وفي مقابل ذلك نرى الترهل والضعف في موقف أعضاء الكنيست العرب، الذي بات محكوما للخوف والرهبة من الملاحقات القانونية التي يهددونهم بها بسبب مشاركاتهم تلك، فتراهم يدافعون عن إسرائيليتهم دفاع المستميت ليدفعوا عن ذواتهم تهمة "الوطنية" في دولة غير تلك التي أقسموا يمين الولاء لها من على منبر الكنيست.
عود على ما بدأناه، فإننا نقول: إن كل هذا الإحترام، وهذا الود، وهذه المحبة لا تمنعنا أن ننتقد عندما يتوجب الإنتقاد، وأن ننصح عندما تتوجب النصيحة، بل وأن يكون عمق الإنتقاد بعمق التوغل في الأسرلة، فمثلا عندما تشارك عضو الكنيست عايدة توما بمسيرة الشواذ وتدعو لاعتبارهم جزءا من المشهد العام المقبول في مجتمعنا، وهو ما يخالف قيم مجتمعنا ويصادمها صداما عنيفا وحادا، فإن الواجب حينئذ ان تنبري الأقلام والأصوات لاستنكار ذلك واعتباره خروجا عن الإجماع الوطني والقيمي والديني لكل مجتمعنا على اختلاف انتماءاته الدينية ومشاربه السياسية، رغم أن هناك فئة قليلة ذات صوت عال مدعومة من الصناديق المشبوهة أوروبيا واسرائيليا لتفكيك المجتمع وإشاعة الفاحشة والشذوذ، وعليه فلا يمكن أن نقف جانبا.
وكذلك عندما يصرح المرشح لعضوية الكنيست في القائمة المشتركة الشيخ وليد طه أنه "مع دعم ميزانية الدولة بشرط توفير ميزانيات لبلدياتنا" ويقول في مهرجان انتخابي للقائمة المشتركة "لن نكون جزءا في دعم لحكومات يمين بالمجان" أي أنه إذا حصلنا على مطالب معينة فسندعم اليمين.
وهذا الكلام أيضا رغم علاقة الإخوة والمحبة لا بد وأن يكون عمق انتقاده كعمق توغل الشيخ وليد في السير باتجاه حكومات اليمين مقابل الحصول على حقوق مطلبية وفتات أموال.
ميزانيات حكومات اليمين وحكومات إسرائيل بالعموم تقوم على دعم الإستيطان وتكثيف الدعم العسكري الموجه لمحاربة شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والسيطرة على الحيز العام وتهويد الأرض والقدس والأقصى ومصادرة الحقوق الجماعية لشعبنا الفلسطيني، وغير ذلك الكثير الكثير، فهل يعقل أن ندعم مثل هذه الميزانيات مقابل ميزانيات أو غير ذلك لسلطاتنا المحلية؟ أليس شعار القائمة المشتركة هو دحر وإسقاط اليمين وإسقاط نتنياهو؟ فكيف إذا سيتم ذلك وعضو أساسي في القائمة المشتركة وفي المكان السادس يعلن سلفا استعداده لدعم حكومات اليمين مقابل المال للسلطات المحلية؟
مرة أخرى أقول إن مقاطعة الانتخابات هي خط مبدئي لسنا نتخذه نكاية بأحد حاشا وكلا، فكلهم إخوة وأصدقاء وزملاء يجمعنا معهم حب الوطن وسقف المسجد وسجادة الصلاة، ومرة أخرى نقول إنه وبرغم ذلك وبرغم ان المقاطعة مبدئية، وبرغم ان المشارك ارتضى ان يلعب في ملعب الكنيست ومن ارتضى ذلك فانه لا يرى غضاضة في ان يلعب اللعبة حتى النهاية، لكننا نرى أن واجبنا الديني والوطني والأخلاقي يفرض علينا ان نقف ونضيء الضوء الأحمر ونقول للمتغول في العمق الإسرائيلي على مهلك .
المقاطعة هي خيارنا