X إغلاق
X إغلاق


الأحد 20 صفر 1441 | 20 تشرين أول 2019


ظاهرة العنف: أسبابها وعلاجها


ظاهرة العنف 

(أسبابها وعلاجها)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: 1]، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ الذي أرسله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:

فإن ظاهرة العنف غريبة على المجتمع المسلم؛ فقد انتشر العنف في الشوارع والمدارس، وأماكن العمل، والأسواق، من أجل ذلك أحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بأسباب العنف ووسائل علاجه، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف العنف:

العنف في اللغة:

العنف: الشدة والمشقة، وهو ضد الرفق، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله، التعنيف: التوبيخ والتقريع واللوم؛ (النهاية في غريب الحديث لابن الأثير جـ 3 صـ 309).

العنف في اصطلاح العلماء:

العنف: كل تصرفٍ يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين، وقد يكون هذا الأذى جسميًّا، أو نفسيًّا؛ كالسخريَّة والاستهزاء، وفرض الآراء بالقوة، وإسماع الكلمات البذيئة، وجميعها أشكال مختلفة لظاهرة العنف؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 7).

الفرق بين العنف والعدوان:

(1) العنف جزء من العدوان، وشكل من أشكاله، سواء كان ذلك العدوان على الأفراد، أم على الممتلكات، أم على المجتمع، لكن العنف يظهر جليًّا بأنه سلوك عدواني مستمر.

(2) العنف له طابع مادي خالص، في حين أن العدوان يشتمل على المظاهر المادية والمعنوية معًا؛ (الضغط المدرسي لعبدى سميرة صـ 84).

نشأة العنف:

ظهر العنف منذ وجود آدم صلى الله عليه وسلم، وابنيه هابيل وقابيل، على الأرض؛ حيث قتل قابيلُ أخاه هابيل حسدًا وظلمًا.

قال سبحانه: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ [المائدة: 27 - 31].

• قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): يقول تعالى مبينًا وَخِيمَ عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصُلْبه، وهما هابيل وقابيل، كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيًا عليه وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة؛ (تفسير ابن كثير جـ 5 صـ 160).

روى الشيخان عن عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُقتَل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها (نصيب من إثم قتلها)؛ لأنه أول من سن القتل))؛ (البخاري حديث: 3335 / مسلم حديث: 1677).

لقد شهدت البشرية أحداثًا كثيرةً تميزت بالعنف؛ فالعنف سمة من سمات الطبيعة البشرية، وعلى مدى التاريخ نجد شواهد تدل على لجوء الإنسان إلى العنف استجابة لانفعالاته من الغضب، وتعتبر محاولة التسلط من أجل السيطرة على الآخرين هي المصدر الأساسي للعنف في تاريخ البشرية، سواء تسلط الفرد على الآخر، أو تسلط طبقةٍ على مجتمع، وكذلك تسلط مجتمعٍ على مجتمعٍ آخر؛ (الضغط المدرسي لعبدى سميرة صـ 82).

أسباب العنف:

يمكن أن نوجز أسباب انتشار ظاهرة العنف في الأسباب التالية:

(1) عوامل ذاتية:

العوامل الذاتية: هي العوامل التي يكون مصدرها في الفرد ذاته، ومن أهم العوامل الذاتية المؤدية إلى العنف ما يلي:

(1) الشعور المتزايد بالإحباط.

(2) ضعف الثقة بالنفس.

(3) طبيعة مرحلة البلوغ والمراهقة.

(4) الاضطرابات الانفعالية والنفسية، وضعف الاستجابة للمعايير الاجتماعية.

(5) الرغبة في الاستقلال عن الكبار، والتحرر من السلطة الضاغطة على الطلاب، والتي تحول دون تحقيق رغباتهم.

(6) عدم القدرة على مواجهة المشكلات التي يعاني منها الفرد.

(7) الرغبة في الحصول على أشياء يصعب قبولها.

(8) العجز عن إقامة علاقات اجتماعية سليمة.

(9) الشعور بالفشل والحرمان من العطف.

(10) عدم القدرة على تحكم الفرد في دوافعه العدوانية.

(11) الأنانية، وتعني حب الفرد لنفسه فقط، والتقليل من شأن الآخرين.

(12) الإدمان على المخدِّرات؛ لأن المدمنَ يعاني من اضطرابات نفسية تدفعه إلى العنف.

(13) ضعف الوازع الديني؛ لأن الدِّين هو الذي يهذِّب سلوك الفرد، ويُبعده عن سلوك العنف والانحراف؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 36: صـ 37).

(2) التنشئة داخل الأسرة:

تعتبر الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن تكوين شخصية الطفل من النواحي العقلية والوجدانية والأخلاقية والجسمانية والاجتماعية والنفسية، وإذا كان لبعض المؤسسات الاجتماعية الأخرى دور في عملية التنشئة الاجتماعية، فإنه دور ثانوي؛ لأنه يأتي في مرحلة زمنية لاحقة على السنوات التكوينية الأولى التي يعيشها الطفل في أحضان أسرته.

تعريف الأسرة:

الأسرة: هي الجماعة الإنسانية الأولى التي يمارس فيها الطفل أولى علاقاته الإنسانية؛ ولذلك فهي المسؤولة عن إكسابه أنماط السلوك الاجتماعي، والكثير من مظاهر التوافق ترجع إلى نوع العلاقات الإنسانية في الأسرة، للأسرة دور مؤثر وفعال في الانحراف والسلوك العنيف؛ وذلك لما تحتله الأسرة من أهمية حيوية في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد.

ويمكن أن نوجز أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى الأسرة فيما يلي:

(1) التفكك الأسري.

(2) التدليل الزائد من الوالدين.

(3) عدم متابعة الأسرة لسلوك الأبناء.

(4) الضغوط الاقتصادية للأسرة، (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 40: صـ 41).

(3) المدرسة:

المدرسة: هي المؤسسة الاجتماعية الثانية التي تستقبل الطفل، ولها دور في عملية التنشئة الاجتماعية له، ففيها يقضي التلميذ يومه مع صغارٍ، هم زملاؤه، ومع كبارٍ، وهم المدرسون والإداريون والاجتماعيون وغيرهم، وفي المدرسة يمارس الصغير أنشطةً عديدة بالإضافة إلى تلقيه التعليم، ومن هنا نجد أن المدرسة تسهم في العمل على تكامل شخصية الصغير تعليميًّا، وتربويًّا، واجتماعيًّا، ونفسيًّا.

ويتضح ارتباط المدرسة بالعنف من خلال تأثيرها في شخصية الطفل من جانب، ومن حيث تأثيرها في البيئة المحيطة من جانب آخر، وقد تفشل المدرسة في أداء وظائفها كمؤسسة اجتماعية تربوية لعوامل متعددة، منها: ما يتعلق بالطالب، ومنها ما يتعلق بزملائه، ومنها ما يتعلق بالمدرس، ومنها ما يتعلق بالمواد الدراسية وموضوعاتها، أو ما يتعلق بالنظام المدرس بصفة عامة؛ فالمدرسة قد تكون سببًا من أسباب التمرد والعصيان من الطلاب.

ويمكن أن نوجز أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى المدرسة فيما يلي:

أولًا: أسباب ترجع إلى المدرسين، وهي:

(1) غياب القدوة الحسنة للتلاميذ.

(2) عدم الاهتمام بمشكلات التلاميذ.

(3) غياب التوجيه والإرشاد.

(4) ضعف الثقة في المدرسين.

(5) ممارسة اللوم المستمر من قِبَل المدرسين.

ثانيًا: أسباب ترجع إلى إدارة المدرسة، وهي:

(1) ضعف اللوائح المدرسية.

(2) عدم كفاية الأنشطة الاجتماعية.

(3) زيادة كثافة الطلاب في الفصول الدراسية؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 43: صـ 44).

(4) مكان المسكن:

للحي الذي يسكن فيه الإنسان دور مهم في التنشئة الاجتماعية؛ فالحي الذي تتوافر فيه قيم أخلاقية، وخدمات لتغذية هذه القيم، وإشباع حاجات ورغبات الفرد يعتبر حيًّا سويًّا، ويهيئ للفرد جوًّا يكسبه الشعور باحترام النظام والقانون، والبعد عن السلوكيات المنحرفة، ومن بينها السلوك العدواني، وقد تتوفر في الحي أسباب عدم التنظيم الاجتماعي، وتشجيع السلوك العدواني عن طريق احترام المجرمين، مما يجعل هذا الحي بيئة فاسدة تؤدي إلى زرع العنف في الطفل منذ نشأته الأولى.

ويمكن أن نوجز صفات الحي الذي يؤدي إلى غرس العنف في الأطفال فيما يلي:

(1) الحي المزدحم بالسكان الفقراء، وتنتشر فيه الرذيلة.

(2) الحي الذي يوجد فيه فوارق طبقية، مع اختفاء الوازع الديني.

(3) الحي الذي تنتشر فيه الجرائم المختلفة.

(4) الحي النائي الذي يكون ملجأ لاختفاء المجرمين والخارجين عن القانون؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 44: صـ 45).

(5) جماعة الرفاق والأصدقاء:

جماعة الرفاق هي: اتصال جماعةٍ متقاربةٍ في الميول والأهداف والمستوى الاجتماعي والاقتصادي اتصالًا مباشرًا، وتربطهم علاقة محبة متبادلة، وقيم ومعايير متشابهة، وسلوك متوافق؛ (العود إلى الانحراف - لصالح محمد العمري صـ 93).

وتعتبر جماعة الرفاق والأصدقاء من الجماعات الأولية التي لها تأثير على شخصية الفرد بعد الأسرة، ومما يقوي من تأثير هذه الجماعة على الفرد: التشابه والتجانس بين أفرادها من حيث العمر والأهداف والميول والاتجاهات.

وكل ذلك يؤدي إلى تقوية تأثيرها على تشكيل سلوك الفرد، وقد وجد بعض الباحثين أن جماعة الرفاق قد تكون البديل للأسرة في بعض الأحيان، خصوصًا للمنحرفين والمجرمين، وقد أشارت معظم الدراسات والأبحاث التي تناولت موضوع الرفاق وعلاقتهم بالانحراف إلى أن معظم المنحرفين، والمقبوض عليهم في السجون، والموجودين في المؤسسات الإصلاحية كانوا على علاقة بأصدقاء منحرفين؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 47).

ويمكن أن نوجز أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى الرفاق والأصدقاء في الأمور التالية:
(1) النزعة إلى السيطرة على الآخرين.

(2) الشعور بالفشل في مسايرة الرفاق.

(3) الهروب المتكرر من المدرسة.

(4) الشعور بالرفض من جهة الرفاق؛ (الأثر الذي يولد العنف على الأطفال - لنجاة السنوسي صـ 6).

(6) وسائل الإعلام:

لوسائل الإعلام دور بارز في تنامي ظاهرة العنف لدى المراهقين؛ فالبرامج الإعلامية، وخصوصًا التلفزيونية، من حيث إنها تقدم لهم عينة من التصرفات الخاطئة، مثل العنف الذي يشاهده المراهق لمجرد التسلية والإثارة، قد ينقلب في نهاية التسلية والإثارة لواقع مؤلم بفعل التأثير السلبي القوي والفعال لوسائل الإعلام لتجسيد العنف بأنماطه السلوكية المختلفة، ولا يخفى علينا أن المراهقين لديهم القدرة على التقليد والمحاكاة لما يشاهدونه في التلفزيون، كما أنهم ينجذبون لمشاهد العنف، ويجدون فيه المتعة؛ لذا نجد أن معظم حديثهم يدور حول البرامج التلفزيونية العنيفة؛ (الضغط المدرسي لعبدى سميرة صـ 109).

ويمكن أن نوجز تأثير وسائل الإعلام على الأطفال والمراهقين في الأمور التالية:

(1) أدت مشاهدة العنف إلى تقوية نزعة العنف لدى الأطفال، وحرصهم على إخراجها؛ (جرائم العنف - لعادل عبدالعال صـ 27).

(2) تؤثر وسائل الإعلام تأثيرًا بالغًا في انتشار الجريمة، وتقليد السلوك العنيف؛ لأنها تعلِّم الأفراد أساليب ارتكاب الجرائم.

(3) قد تبالغ وسائل الإعلام فيما تنشره من إثارات حول أخبار العنف، الأمر الذي يظهر العنف كسلوك عادي مقبول.

(4) قد تصور وسائل الإعلام المجرمين كأنهم يقومون بأعمال بطولية خارقة، وهذا يشجع الأطفال على اعتبار المجرمين قدوة لهم في حياتهم.

(5) الكثير من الكتب والمجلات وقصص المغامرات تعتبر وسائل إلى الانحرافات السلوكية والعدوانية؛ (دور مدير المدرسة في الحد من العنف - لمحمد الصالح العريني صـ 28: صـ 30).

(6) المشاهدة المستمرة للعنف في وسائل الإعلام تؤدي على المدى الطويل إلى انعدام الإحساس بالخطر، وإلى قبول العنف كوسيلة استجابية لمواجهة بعض الصراعات؛ (الأثر الذي يولده العنف على الأطفال - لنجاة السنوسي صـ 14).

(7) الحالة الاقتصادية للأسرة (الفقر والغنى):

يعتبر الفقر (عند انعدام الوازع الديني) مصدرًا من مصادر انتشار الجرائم، والانحرافات السلوكية المنحرفة بألوانها المختلفة؛ (علم المشكلات الاجتماعية - لمعن خليل عمر صـ 193).

(8) البطالة (عدم العمل):

تؤدي البطالة إلى نتائج نفسية خطيرة، مثل: الاكتئاب المزمن، الذي يؤدي إلى اليأس والانعزالية، وعدم القدرة على العمل والإنتاج، كما تؤدي البطالة إلى خلق الشخصية العدوانية المضادة للمجتمع، وقد أشار العديد من العلماء إلى أن الكثير من مرتكبي جرائم العنف لا ينتمون فقط إلى أسرٍ فقيرةٍ، بل يعانون أيضًا من حالة البطالة؛ (جرائم العنف وأساليب مواجهتها - لعباس عبدالمحمود صـ 41).

تلك هي أهم العوامل المؤدية إلى الانحراف، ويظهر منها أنها عوامل متعددة ومعقدة، وأن لبعضها تأثيرًا على إحداث السلوك العدواني أكثر من بعضها الآخر.

وسائل علاج العنف:

الوقاية من العنف تتطلب التصدي للعوامل المؤدية إلى العنف ومعالجتها بصورة علمية، ويجب أن تتركز الجهود الوقائية على مرحلتي الطفولة والمراهقة؛ نظرًا لأن سلوك العنف يتكون غالبيته من مرحلة الطفولة المبكرة.

وينبغي اتخاذ مجموعة من التدابير الهادفة إلى استئصال الشر من النفس البشرية، والتي تؤدي إلى إيقاظ الشعور الديني، والذي يعد الضابط الداخلي لدى كل فرد، لضبط سلوكه وفق الأنظمة المعمول بها، ويحول دون العدوان والعنف الذي في أساسه اعتداء على حقوق الآخرين، وتتمثل أهم التدابير الإسلامية التي ينبغي على مؤسسات المجتمع ترسيخها، وتربية أفراد المجتمع عليها في ترسيخ العقيدة الإيمانية، كونها الأساس الأول لمنع السلوكيات الإجرامية، لقد ربط القرآن الكريم بين الإيمان والأمن في العديد من آياته.

قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

إن للعقيدة الإيمانية أثرها في منع انتشار سلوكيات العنف؛ وذلك لأن العقيدة هي أساس بناء الإنسان المسلم؛ فالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي بدأ به الإسلام في تربية المسلم على السلوكيات الرشيدة التي تتسم بالرفق والرحمة، وتعتبر العقيدة قاعدة بناء الإنسان المسلم في كل مكان وزمان؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 79).

ويمكن أن نوجز وسائل الوقاية من العنف فيما يلي:

(1) المحافظة على عبادة الله تعالى:

إن المحافظة الدائمة على عبادة الله تعالى لها أثر فعال وسريع في تهذيب القلوب والسلوك، وهذه العبادة تربط المسلم بالله تعالى، وتلزمه باتباع أوامره سبحانه، فتجعل سلوك المسلم يتسم بالرفق واللين في معاملاته مع الآخرين؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 79).

قال الله تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم))؛ (البخاري حديث 1904/ مسلم حديث 1151).

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيومَ ولدته أمه))؛ (البخاري حديث 1521 / مسلم حديث 1350).

(2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدورٍ مهم في تهذيب السلوك ليكون موافقًا للقيم السامية التي جاء بها الإسلام؛ حيث يؤدي إلى وجود الحياء العام، الذي يجعل الإنسان يبتعد عن جميع أنواع سلوك العنف والانحراف؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 80).

(3) دور العبادة المؤثرة الفعالة:

دور العبادة الفعالة لها دور كبير في غرس المبادئ الأخلاقية في الإنسان، فتجعله لا يتهاون في حق الله تعالى، ولا في حق أهله، ولا في حق أي فرد في المجتمع الذي يعيش فيه، وتعمل على تهذيب سلوكه، وتبعده عن العنف بجميع أشكاله؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 80).

(4) تحقيق التكافل الاجتماعي:

وضع الإسلام صورةً رائعةً للمجتمع المسلم المتكافل في جميع مجالات الحياة.

روى مسلم عن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ (مسلم حديث 2586).

التكافل الاجتماعي بالصورة الموجودة في هذا الحديث قادر، بفضل الله تعالى، على التصدي لجميع أشكال العنف والسلوكيات المنحرفة.

التكافل الاجتماعي له جانبان: أحدهما معنوي، والآخر مادي.

أولًا: الجانب المعنوي:

المقصود بالجانب المعنوي هو أن يشعر المسلم بأخيه المسلم، ويتحقق التلاحم بينهما، ويؤدي أيضًا إلى تقوية الروابط بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، ليتعاون الجميع على تحمل المسؤولية في تحقيق الخير وإبعاد الشر عن المجتمع، وإذا تحقق هذا التكافل الاجتماعي، فإنه سيؤدي إلى انخفاض سلوكيات العنف داخل المجتمع.

ثانيًا: التكافل المادي:

التكافل المادي يشمل مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهذا يؤدي إلى تقوية روح الأخوة والمودة، ويزرع الحب بين أفراد المجتمع، وهذا يؤدي إلى استئصال جذور الشر داخل أفراد المجتمع، ويمنع سلوكيات العنف، أو يقلل منها؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 81).

(5) الأسرة الصالحة:

تعتبر الأسرة هي نقطة البداية التي تتركز فيها التدابير الوقائية ضد العنف، وذلك بالعمل على استقرار وتهيئة الجو المناسب لتنشئة أسرة صالحة، فإذا ساد الحب والتفاهم والتعاون بين أفراد الأسرة، أدى ذلك إلى اجتناب العنف والانحراف؛ ولذلك اهتمت الشريعة الإسلامية بالأسرة، ووضعت المعايير الصحيحة لاختيار الزوجين، وأرست قواعد هامة لحسن تربية الأبناء في مراحل التربية المختلفة؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 82).

(6) المدرسة الحديثة الفعالة:

المدرسة الحديثة لها دور مؤثر وفعال في وقاية الطالب من سلوك العنف، وذلك من خلال تنمية القيم الدينية، والتي تتثمل في غرس مبادئ الرفق، والإيثار، وروح التسامح في نفوس الطلاب، وذلك من خلال إعداد خطة تربوية لإرشاد الطلاب من خلالها إلى السلوكيات الصحيحة، التي يجب اتبعاها داخل المدرسة وخارجها مع مراعاة المراقبة الجادة لسلوك الطلاب.

يجب أن يكون هناك تنسيق كامل بين وزارة التربية والتعليم والمدارس لعلاج ظاهرة العنف في جميع المؤسسات التعليمية.

ويمكن أن نوجز الوسائل التي ينبغي على وزارة التربية والتعليم اتخاذها، من خلال التنسيق مع المدارس، لعلاج ظاهرة العنف فيما يلي:

(1) توفير عددٍ من الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين للكشف عن السلوك المنحرف لدى الطلاب، وعلاجه في وقتٍ مبكرٍ.

(2) وضع برامج دراسية مرنة تتناسب مع المستوى العقلي للطلاب.

(3) تنويع المناهج الاختيارية لتناسب ميول ورغبات الطلاب.

(4) جعل المناهج ذات قيمة تربوية وأخلاقية، تنمي شخصية الطلاب.

(5) توفير المدرسين المؤهلين تربويًّا وعلميًّا؛ ليكونوا قدوةً صالحةً أمام الطلاب.

(6) توفير وسائل الأنشطة المختلفة؛ لإعطاء الطلاب الفرصة لممارسة هوايتهم داخل المدرسة، وخاصة خلال فترة الإجازة.

(7) الاهتمام بمادة التربية الدينية؛ ليكتسب الطلاب اتجاهات إيجابية نحو دينهم وسلوكياتهم؛ لحمايتهم من الانحراف والعنف.

(8) تدريب مديري ووكلاء المدارس والمعلمين على أحدث وسائل محاربة العنف، وذلك من خلال عقد ندوات ومحاضرات يقوم بها متخصصون في التربية.

(9) تكريم أوائل الطلاب في كل فصلٍ من الناحية الأخلاقية والعلمية، وذلك في حفل عام أمام المسؤولين والطلاب.

(10) فتح باب الحوار والمناقشة بين الطلاب والمدرسين وإدارة المدرسة، من خلال عقد ندوات ومسابقات داخل المدرسة، وإتاحة الفرصة للطلاب للتعبير عن آرائهم في القضايا المعاصرة، مع مناقشة الآراء الخاطئة بهدوء، مع ذكر الأدلة على خطأ هذه الآراء، حتى يتم إقناع الطلاب بالرأي الصواب؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 84)؛ (العنف في المرحلة الثانوية - لحمادة عبدالسلام ص- 159: 158).

(7) حسن اختيار الأصدقاء:

الصديق له أثر واضح على صديقه، وهذا أمر معلوم لجميع التربويين؛ ولذلك حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على حسن اختيار الصديق.

روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثةً))؛ (البخاري حديث 2101 / مسلم حديث 2628).

روى الترمذي عن أنس بن مالكٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرجل على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1937).

روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي للألباني حديث1952).

الاقتران برفقاء السوء هو أسرع طريقٍ إلى العنف والانحراف بجميع أشكاله؛ ولذلك فإن الاقتران بالرفقة الصالحة يؤدي إلى القضاء على أحد العوامل المؤدية إلى العنف؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 86)

(8) وسائل الإعلام الهادفة:

يمكن أن يكون لوسائل الإعلام دور إيجابي في الوقاية من سلوك العنف، وذلك من خلال إذاعة برامج وأعمال هادفة، تعمل على ترسيخ القيم الإسلامية الرفيعة، مثل: الإيثار والرفق والتعاون، كما يمكن أن تقوم وسائل الإعلام بإذاعة الأعمال الهادفة، التي تدعو إلى التنفير من العنف، وبيان أسبابه وآثاره الخطيرة على الفرد والمجتمع، وعلى وسائل الإعلام أن تضع وسائل لعلاج هذا العنف، وذلك عن طريق عقد ندوات ومحاضرات يقوم بها علماء الدين والتربية؛ (العوامل الاجتماعية المؤدية للعنف - لفهد علي الطيار صـ 86).

اجتناب العنف وصية رب العالمين:

الاعتداء على حقوق الناس وأرواحهم حرام، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ولقد أرست الشرعية الإسلامية المباركة مبادئ ساميةً للمحافظة على حقوق الناس.

(1) قال جل شأنه: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].

(2) قال سبحانه: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 148].

(3) قال سبحانه: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 151].

(4) قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

(4) قال سبحانه لموسى وهارون عندما بعثهما إلى فرعون: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43، 44].

(5) قال جل شأنه: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].

(6) قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من العنف:

(1) روى الشيخانِ عن عائشة رضي الله عنها: أن يهودَ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام (أي الموت) عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب الله عليكم، قال: ((مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش))، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: ((أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ))؛ (البخاري حديث: 6030/ مسلم حديث: 2165).

(2) روى مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))؛ (مسلم حديث: 2593).

(3) روى مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه))؛ (مسلم حديث: 2594).

(4) روى البخاري عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار (هاج) إليه الناس ليقعوا به (ليؤذوه بالضرب ونحوه)، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوه، وأهريقوا (صُبُّوا) على بوله ذَنُوبًا (الدلو الكبير) من ماءٍ، أو سَجْلًا (الدلو الصغير) من ماءٍ؛ فإنما بُعِثتم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين))؛ (البخاري حديث: 6128).

(5) روى الترمذي عن أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلقٍ حسنٍ، وإن الله لَيُبغض الفاحش البذيء))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث: 4028).

(6) روى مسلم عن عياض بن حمارٍ المجاشعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلمٍ، وعفيف متعفف ذو عيالٍ))؛ (مسلم حديث: 2865).

(7) روى البخاري (في الأدب المفرد) عن أبي هريرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن فلانةَ تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا خير فيها، هي من أهل النار))، قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصدق بأثوارٍ (أي بقطعٍ من اللبن المجفف)، ولا تؤذي أحدًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي من أهل الجنة))؛ (حديث صحيح) (صحيح الأدب المفرد للألباني حديث 88).

الرفق مِن صفات المؤمنين:

قال الله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29].

الدعاء بحُسن الخُلق:

روى أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم أحسنتَ خَلقي، فأحسن خُلقي))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 40 صـ 456 حديث: 24392).

منزلة الرفق وحسن الخُلق:

(1) روى أبو داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن المؤمن ليُدرك بحُسن خُلقه درجة الصائم القائم))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث: 4013).

(2) روى أبو داود عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من شيءٍ أثقل في الميزان من حُسن الخلق))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث: 4014).

(3) روى الترمذي عن جابر بن عبدالله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنَكم أخلاقًا))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث: 1642).

(4) روى الترمذي عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أُعطِيَ حظَّه من الرفق، فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِم حظه من الرفق، فقد حُرِم حظه من الخير))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث: 1637).

(5) روى أحمد عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله عز وجل بأهل بيتٍ خيرًا، أدخل عليهم الرفق))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 40 صـ 488 حديث: 24427).

(6) قال الحسن البصري: من علامات المسلم: قوة في دِينٍ، وحزم في لينٍ، وإيمان في يقينٍ، وعلم في حِلمٍ، وكَيْس في رفقٍ، وإعطاء في حق، وقصد في غنًى، وتجمُّل في فاقةٍ، وإحسان في قدرةٍ، وتحمل في رفاقةٍ، وصبر في شدةٍ، لا يغلِبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلِبه شهوة، ولا تفضحه بطنة، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، ولا يبخل، ولا يبذر، ولا يسرف، ولا يقتر، يغفر إذا ظُلم، ويعفو عن الجاهل، نفسُه منه في عناءٍ، والناس منه في رخاءٍ؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 3 صـ 260).

نبينا صلى الله عليه وسلم هو القدوة في الرفق:

(1) قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

روى ابن جرير الطبري عن قتادة: قال: إي والله، طهَّره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبًا رحيمًا، بالمؤمنين رؤوفًا؛ (تفسير الطبري جـ 7 صـ 341).

(2) قال جل شأنه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

(3) قال سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

(4) روى الشيخانِ عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا (ناطقًا بالفحش)، ولا متفحشًا (لم يكن الفحش فيه خُلقًا أصليًّا ولا كسبيًّا)، وكان يقول: ((إن من خياركم أحسنَكم أخلاقًا))؛ (البخاري حديث: 3559 / مسلم حديث: 2321).

(5) روى مسلم عن عائشة، قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ (أي: أصيب بأذى من قول أو فعل) منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل)؛ (مسلم حديث: 2328).

(6) روى البخاري عن مالك بن الحويرث، قال: أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة (شباب) متقاربون (في السن)، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا؛ (البخاري حديث: 631).

(7) روى البخاري عن أنس بن مالكٍ قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذ (أي جذبه) بردائه جبذةً شديدةً، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ؛ (البخاري حديث 3149).

(8) روى مسلم عن معاويةَ بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم (أي: نظروا إليَّ)، فقلت: واثكل أمياه (أي: هلكت)، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعَلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني (أي يسكتونني) لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني (نهرني)، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))؛ (مسلم حديث: 537).

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم.

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.