X إغلاق
X إغلاق


الجمعة 30 محرم 1442 | 18 أيلول 2020


هل ابنك متنمر؟.. إليك خطوات لحمايته وحماية المجتمع من تأثيره


في التلفاز وعلى صفحات الجرائد تُقابلنا حكايات محزنة عن ضحايا التنمر، وتظهر العديد من الحملات التوعوية ضده، ونُخبر أبناءنا أن التنمر سلوك خاطئ. في إحدى حلقات برنامج "ذا فويس كيدز"، تحدّث أحد المتسابقين عن صديقه الذي انتحر بسبب تعرُّضه للتنمر في المدرسة، حقّق المقطع نسبة مشاهدات مرتفعة على يوتيوب وتزاحمت التعليقات الباكية المتأثرة. لكن أغلب مَن تبادلوا نشر هذا المقطع هم أنفسهم الذين يضحكون على مشاهد التنمر والسخرية في المسرحيات الكوميدية، وفي الشارع. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي يمارس الجميع السخرية ضد الجميع، يحوّلونهم إلى "ميمز" ضاحكة يتبادلونها دون انتباه إلى أن أبناءهم يراقبونهم في صمت.

في ظهيرة أحد الأيام، وبينما تُعِد طعام الغداء، تلقّت (س) أم لصبي في الثانية عشرة من عمره اتصالا هاتفيا من المدرسة يطلبون استدعاءها على الفور. في المدرسة، وُجِّهت لـ (س) شكاوى متعددة من أكثر من طالب من أن ابنها يضايقهم، ويطلق عليهم ألقابا مهينة، ويستخدم العنف الجسدي تجاههم، بل ووصل الأمر إلى شكاوى من تحرشات جنسية. تقول (س): "شعرت بالخزي والخجل، أحسست أنني متهمة بأنني لم أُحسن تربية ابني، أردت أن تنشق الأرض وتبتلعني".

رُبما من أكثر المواقف قسوة التي من المحتمل أن تواجه الأبوين هي لحظة مواجهتهما بحقيقة أن أبناءهم يمارسون سلوك التنمر، وقد يدفعهم الشعور بالحرج أو الذنب لتجاهل المشكلة والدفاع عن أبنائهم دون تفكير، وكأنهم يدافعون عن أنفسهم ويدفعون ما يرونه اتهاما بالتقصير في تربية أبنائهم بدلا من محاولة تقييمهم ومعرفة أسباب المشكلة لحلها. لا تقتصر آثار التنمر على إيذاء أطفال آخرين، لكن عواقبه تمتد للمتنمر نفسه، حيث تُعَدُّ المهارات الاجتماعية عند الأطفال مؤشرا مهما على الصحة العقلية العامة، ومشاركة الطفل في سلوكيات التنمر قد تكون مؤشرا على معاناته من القلق أو الاكتئاب أو معاناته من صعوبات تتعلق بالتعامل مع مشاعره. (1)

يُعرف التنمر عادة عبر ثلاث سمات رئيسية: التعمد، والتكرار، واختلال القوة. المتنمر يتعمّد أن يُسبِّب الألم سواء عبر اﻹيذاء الجسدي أو اللفظي، ويحدث ذلك بشكل متكرر، فهو نمط سلوكي وليس مجرد حادث منعزل، وغالبا ما يتمتع المتنمرون بسلطة ما سواء كانوا أكبر في الحجم من أقرانهم أو أقوى أو أكثر شعبية أو ينحدرون من مركز اجتماعي أو مادي أعلى.

وقد يأخذ التنمر أشكالا متعددة من بينها:

التنمر البدني مثل الاعتداء البدني بالضرب أو تعمد إتلاف الأغراض أو سرقتها بهدف إغاظة الضحية.

التنمر اللفظي مثل الشتائم والتحقير والسخرية والتهديد وإطلاق الألقاب.
التنمر الاجتماعي مثل التجاهل والاستبعاد من الألعاب الجماعية أو نشر الشائعات.
التنمر النفسي مثل النظرات السيئة والتربص والتلاعب به وإشعاره بأن الأمر من نسج خياله.

التنمر الإلكتروني مثل السخرية والتهديد عن طريق الإنترنت سواء عبر الرسائل الإلكترونية أو مواقع شبكات التواصل أو اختراق الحسابات الخاصة به. (2)

لماذا؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأول الذي يرد على ذهنك عندما تعرف أن ابنك يمارس التنمر. في حديثه لـ "ميدان" اعترف (ع) بأنه مارس التنمر في فترة الطفولة والمراهقة، يقول: "ربما كان الأمر وقتها بدافع الشعور بالغضب، كنت أشعر بطاقة غضب تغلي داخلي طوال الوقت وأردت تفريغها، والآن أعتقد أن هذا يعود في جزء كبير منه لظروف أسرية غير مستقرة. في أحيان أخرى كنت أمارس التنمر كي أُضحك أصدقائي، كنت زعيما لـ "شلة" كبيرة من الطلبة، وكنا نختار الطلاب الأضعف والمختلفين لجعلهم أضحوكتنا طوال العام. أتذكر أحدهم كان طفلا سمينا ووحيدا ومدللا أطلقت عليه لقب "بالوظة" وحوّلت حياته إلى جحيم. الآن عندما أتذكر ذلك أود لو أقابله مرة أخرى ﻷعتذر له".

من الضروري أن ندرك أن الأطفال لا يقومون بالتنمر لكونهم أطفالا سيئين، الأطفال ينخرطون في العديد من السلوكيات والتي لا تعكس جميعها بالضرورة شخصياتهم، وهناك عدد كبير من الأسباب المختلفة التي قد تدفع بالطفل لممارسة التنمر، من بينها:

التعرض للتنمر أو العنف في البيت أو المدرسة:

سواء كان العنف واقعا عليه من أحد الأبوين أو الأشقاء، أو كان شاهدا عليه. يرغب الطفل في استعادة الشعور بالقوة والسيطرة ويجد سبيله عبر التصرف بعدوانية تجاه الآخرين، فيترجم السخرية التي يتعرض لها من الكبار إلى ممارسات يمارسها ضد الأطفال الأضعف منه.

الرغبة في لفت انتباه الأبوين أو المعلمين أو زملاء المدرسة:

في بعض الحالات يعاني الطفل من الشعور بالتجاهل، فيلجأ لهذا السلوك كي يحظى بالانتباه.

الشعور بعدم الأمان أو ضعف الثقة بالنفس:
وهو ما يدفعه لاختيار شخص أضعف منه جسديا أو نفسيا لممارسة العنف ضده مما يوفر له الشعور بأنه أكثر أهمية أو شعبية أو سيطرة.

إذا كان ضحية سابقة للتنمر:

أحيانا ينضم الطفل لجماعة المتنمرين خوفا من أن يتحول هو نفسه لضحية لهم، فيشعر بنوع من الاستقواء بوجوده بينهم.

عدم القدرة على إدارة المشاعر:
في بعض الحالات يكون التنمر جزءا من نمط مستمر من السلوك العدواني الناتج عن عدم القدرة على إدارة مشاعر الغضب أو الإحباط أو غيرها من المشاعر القوية. وفي هذه الحالة يمكن للمتخصصين مساعدتهم على تعلم التعامل مع مشاعرهم وتحسين مهاراتهم الاجتماعية.

عدم إدراك تأثير سلوكه على الآخرين:

وينطبق ذلك بشكل خاص في حالة الأطفال صغار السن، الذين لا يدركون أحيانا ما يسببونه من إيذاء، ولا يعرفون أنه من غير المقبول التنمر على الأطفال المختلفين في الشكل أو الحجم أو العِرق أو الدين.(3) (4)

في فيلم "فتيات لئيمات" (Mean girls)، تلتحق الفتاة كادي بالمدرسة للمرة الأولى بعد سنوات من التعليم المنزلي حيث كانت تعيش في أفريقيا بحكم ظروف عمل والديها. وفي عالم المدرسة الثانوية القاسي تواجه كادي مجموعة الفتيات المتنمرات الأكثر شعبية وحظوة في المدرسة بقيادة ريجينا جورج، وسعيا للانتقام من ريجينا تتظاهر كادي بالتقرب منها حتى تصبح واحدة من "شلتها، لكن ما بدأ بالتظاهر يبدو وكأنه انتهى بتحول كادي الطالبة المثالية المتفوقة إلى شخص متنمر هي الأخرى.

أيًّا كان نوع التنمر الذي يمارسه ابنك، فإذا لم يتم التعامل معه وإيقافه بشكل سريع وحازم فقد يتفاقم الأمر ليؤدي إلى سلوكيات عدوانية تجاه المجتمع تعوق نجاحه وقدرته على التأقلم كفرد إيجابي سواء في المدرسة الآن أو في عمله وحياته الأسرية مستقبلا. 

التواصل المباشر معه:

الخطوة الأولى إذا عرفت أن طفلك يمارس التنمر هي التحدث معه بوضوح وبشكل مباشر مع إبداء استعدادك لسماع جانبه من القصة. اسمع روايته عما حدث وكيف تصرف ولماذا تصرف بهذه الطريقة. تجنّب اللوم الزائد، فالأبناء بحاجة إلى أن يعرفوا أن بإمكانهم الاعتراف بأخطائهم دون خوف. حاول أن تفهم الأسباب الحقيقية وجذور المشكلة كي تتمكّن من التعامل معها.

غالبا ما يوجه المتنمر اللوم نحو الآخرين، وهو لا يكذب لكنه يرى العالم بطريقة تُبرِّر تصرفاته ويحاول إيجاد أعذار لسلوكه. لا تنجرف وراء مبرراته، واشرح له أن التنمر "اختيار" واعٍ وأنه مسؤول عن اختياره، وساعده على فهم تأثير ما يفعله على الآخرين عن طريق طرح أسئلة مثل: ما شعورك إذا فعل شخص آخر هذا معك؟

الجزاء من جنس العمل

هذه الجملة تنطبق بصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بتهذيب سلوك التنمر. من المهم أن يفهم الأبناء أن سلوك التنمر غير مقبول وأنك لن تتهاون معه. ولكي يكون العقاب مفيدا في حالة التنمر لا بد أن يكون ذا مغزى ومحدود النطاق. على سبيل المثال، إذا شارك ابنك في تنمر إلكتروني، فاجعل العقاب مرتبطا بفقدان امتيازات استخدام الهاتف أو الإنترنت، وإذا فعل ذلك نتيجة استقوائه بفريق أو "شلة" من الأصدقاء فيمكنك حرمانه من قضاء الوقت معهم، على أن تستمر العقوبة لفترة زمنية محدودة كي لا تفقد صلاحيتها وتأثيرها.(5)

ادعم الإجراء التهذيبي الذي تتخذه المدرسة:

من الضروري أن تتعاون مع المدرسة -بعد أن تتأكد من أن العقاب الذي يتلقّاه أبناؤك عقاب عادل ومناسب لما فعلوه-، هكذا يمكن أن يتعلم الأبناء أن هناك عواقب ﻷفعالهم لا يمكن ﻷبويهم إنقاذهم منها. وبالتنسيق مع المدرسة، سواء مع معلمي الفصل أو قسم الإرشاد النفسي، راقب سلوكيات أبنائك وما يطرأ عليها من تطورات للتأكد من عدم تكرار المشكلة مرة أخرى.

ابدأ بالمنزل

الأبناء الذين يعيشون في بيئة يسودها الصراخ وإطلاق الألفاظ المهينة والسخرية أو العنف الجسدي عادة ما يُكرِّرون هذا في المدرسة. من الطبيعي أن يتشاجر الأشقاء مع بعضهم بعضا في المنزل طالما لا يتطور الأمر إلى استخدام ألفاظ غير لائقة أو عنف جسدي. راقب ما يحدث وتأكد من أن تتحدث معهم عما هو مقبول وما هو غير مقبول. من الضروري أيضا أن يفكر الوالدان في سلوكياتهم، وفي الطريقة التي يتحدثان بها مع الطفل أو مع بعضهما بعضا، وفي طريقة إدارتهم لمشاعر الغضب. يحتاج الأبناء إلى العيش في بيئة إيجابية في المنزل يعامل أفرادها بعضهم بعضا باحترام.

اعرف المزيد عن حياة طفلك الاجتماعية

لفهم العوامل التي يمكن أن تؤثر على سلوك طفلك في بيئة المدرسة أو أينما كان التنمر يحدث، تواصل مع أولياء الأمور الآخرين ومع مدرسيه ومسؤولي المدرسة. هل يمارس الطلاب الآخرون التنمر؟ ماذا عن أصدقائه؟ ما نوع الضغوط التي يواجهها في المدرسة؟ احرص أيضا على أن ينخرط في أنشطة خارج المدرسة حيث يمكن له أن يطور صداقات وعلاقات جديدة.

اغرس الشعور بالتعاطف

علِّمه أن من الخطأ أن نسخر من اختلافات الآخرين (سواء المتعلقة بالعِرق أو الدين أو المظهر أو النوع أو الحاجات الخاصة أو الحالة الاقتصادية). من الممكن أن تجعله ينخرط في مجموعات اجتماعية أو أنشطة تطوعية يتفاعل فيها مع أشخاص مختلفين عنه. تحدث معه عن تأثير التنمر، وعن مشاعر وأفكار ضحايا التنمر، واطلب منه أن يضع نفسه في مكان الضحايا لفهم مشاعرهم. قد يساعد غرس التعاطف ورفع مستوى الذكاء العاطفي على الحد من التنمر.(6)

علِّم أبناءك مهارات صحية للتعامل

أحيانا يكون التنمر تعبيرا عن افتقاد الشخص لمهارات معينة مثل القدرة على إدارة الغضب والتحكم في الانفعالات، وقد يكون تعبيرا عن عدم القدرة على التكيف مع من حوله وعدم القدرة على حل صراعاته معهم أو الحاجة إلى جذب الانتباه، أو نتيجة لوجود مشكلات تتعلق بالثقة في النفس أو الشعور بالأمان. اطلب منه أن يحكي لك السيناريو الذي أزعجه واعرض عليه طرقا بناءة للتصرف، ودرّبه على ردود أفعال أخرى غير مؤذية للآخرين، وساعده على أن يدرك قيمته وما يستحقه بمعزل عن آراء أقرانه.(7)

تصحيح الخطأ

بعد أن تنتهي العقوبة ويهدأ طفلك، اشرح له أن ما حدث خطأ يحتاج إلى إصلاحه. اترك له اختيار الطريقة المناسبة للاعتذار، سواء الاعتذار بشكل شخصي أو عبر الهاتف. يمكن أيضا أن تُشجّعه على خبز الكعك لزملاء صفه، أو دعوة زملائه للعب.
قد يساعدك الحديث مع طفلك على فهم السبب، لكن إذا لم يستطع طفلك التعبير أو كان في عمر صغيرة فبإمكانك التوجه إلى أحد المتخصصين والحصول على مساعدة وتقييم لحالته العقلية والنفسية.