X إغلاق
X إغلاق


السبت 01 صفر 1442 | 19 أيلول 2020


’’كانت أكبر صدمة في حياتي’’.. قصة تركي كلفته رسالةٌ السجن 21 عاما بالمعتقلات السورية


"لأول مرة وقفت أمام المرآة رأيت حالي.. رأيت معالم وجهي التي كنت أتحسسها فقط عن طريق اللمس.. كنت ألمس شفاهي وشعري الذي فقدته، شاهدت كم تغير وجهي.. فكانت هذه إحدى الصدمات".

بهذه الكلمات يصف الشاب التركي رياض أولار للجزيرة نت مشهدا من لحظة خروجه من السجن بعد 21 عاما قضاها في المعتقل إثر توجهه إلى سوريا سنة 1996 بغرض دراسة اللغة العربية، وخلال أقل من عام أعتقل، فماذا كان السبب؟

يقول أولار في حديثه للجزيرة نت إنه سمع في سوريا عن الأحداث الدامية التي حدثت في حماة مطلع الثمانينيات، والمجزرة التي ارتكبها رفعت الأسد بحق سجناء تدمر، "فشرعت في تدوين هذه القصص، رغبة مني في إرسالها إلى أصدقاء لنشرها في صحف تركية وغربية، حينها لم أكن أعلم أن كل شيء في سوريا مراقب، فقد أرسلت رسالة عبر البريد لتلتقطها المخابرات، وتم اعتقالي على الطريق الواصل بين محافظتي حلب ودمشق".

أولار والمعتقلات السورية

فور اعتقاله يقول "أغمضوا عيني وأخذوني وأنزلوني سلالم تحت الأرض، وكنت أنزل باستمرار للأسفل، لا أعلم كم درجة، وفتحوا زنزانة منفردة وألقوا بي بداخلها، كانت أكبر صدمة أعيشها بحياتي، لا أعلم ما ذنبي، لماذا أنا هنا، لتبدأ رحلتي مع التعذيب".

"كانوا يخرجونني من المنفردة إلى حفلة التعذيب، وكان تعذيبا قاسٍيا، ثم يعيدونني إلى الزنزانة المنفردة، ومن الضباط الذين أشرفوا على تعذيبي الضابط عاطف نجيب وكان حينها برتبة مقدم، وعبد الرزاق مطلق الذي أصبح فيما بعد قائدا لشرطة دمشق، كانوا يرتبون لي تهما مثل كل السوريين، واستمر وجودي بهذه المنفردة لمدة عامين".

يصف النزنانة المنفردة بالقول إنها "كانت مظلمة، لا أستطيع مشاهدة شيء فيها، لكن عيناي تعودتا شيئا فشيئا على الظلام لدرجة أصبحت أرى الصراصير والنمل على الحيطان وكونت صداقة معها، حيث لا يوجد من يمكنني الحديث معه أو أستأنس به لأحدثه عما عانيته.. عن عذابي.. عن آهاتي، وبلغ بي الحال التمني بأن يأتوا ليخرجوني ويعذبوني على أن أبقى بالمنفردة، الوحدة والعزلة سيئة جدا".

"لم أكن قد تعلمت العربية بعد، فكان أحدهم يأتي ويفتح فتحة في الباب، يثرثر بكلمات لا أفهمها ثم يلقي الطعام، وكنت أفهم الأوقات من طريقة الأكل، عند جلب طعام الإفطار أعلم أنه الصباح، بالإضافة لأوقات التعذيب الصباحية والمسائية والليلية إذا رغب سجاني بذلك، لكن مع مرور الوقت لم أعد أكترث للتوقيت، ولا يعنيني ماهية الزمن، فكل شيء جامد حولي".

الانتقال إلى جناح السياسيين

لأول مرة بعد مرور عامين، يلتقي رياض أولار بأشخاص يذكر منهم "المرحوم سلامة كيلي كاتب فلسطيني استقبلني وكونت صداقة معه، وكان في السجن معتقلون من الإخوان المسلمين والشيوعين، وشباب أكراد سوريون، وكانت تهمتهم المطالبة بهوية، وكنت لأول مرة أسمع عن أناس ولدوا في بلدهم وبلد آبائهم وأجدادهم ولا يحملون هوية هذا البلد".

الاختفاء القسري

يقول "بقيت لمدة 15 سنة مختفيا قسريا ممنوعا من التواصل مع أي شخص، ولا أحد يعلم عني أي شيء، وكنت أحاول على الدوام تسريب معلومة عني، ومنع الزيارة لا يعذب المعتقل فقط، بل يعذب الأهل أيضا، وكان أخي قد قدم إلى سوريا للبحث عني، ووصل إلى مكان اعتقالي، وسأل عني وأبلغوه بعدم وجود شخص بهذا الاسم، وحاول أكثر من مرة السؤال عني وفي المرة الثالثة أبلغوه إذا عاود ذلك سيتم اعتقاله، أبي أيضا كان يبحث عني وذهب إلى السفارة السورية في أنقرة، وهناك أصيب بجلطة دماغية وبسببها فارق الحياة، علمت بذلك بعد خروجي من السجن ليسبب لي ذلك حالة من القهر، من الصعب أن يرافقك شعور بأن والدك توفي وهو يبحث عنك".

سجن صيدنايا

وعند نقله إلى سجن صيدنايا الذي يقول إنه نقل إليه مغمض العينين، تعرض إلى "استقبال سجن صيدنايا، وهو عبارة عن تعذيب بكافة الأساليب، دولاب، قارص، الكرسي الأماني.. وهنا يستمر التعذيب لفترة غير معلومة وغير محددة، فالاستمرار في التعذيب لا ينتهي إلى عند اكتفائهم أو انشغالهم".

ويضيف أنه شهد في سجن صيدنايا حادثة الاستعصاء التي استمرت بين عامي 2007 و2008، ومطالب السجناء كانت زيادة الماء والطعام، حينها اسخدم النظام القوة المفرطة، وبعد أسر السجناء لمجندين قام النظام بقتل المجندين الأسرى مع سجناء، وبقي السجن غير مسيطر عليه لمدة ستة أشهر.

نقل أولار إلى سجن آخر و"فيه أشار زملاء لي إلى بلاطة في الأرض وقالوا لي هذا هو مكانك، وأمضيت سنتين ونصف السنة في مساحة 75 سنتيمترا".

و"مع صعوبة الوضع في السجن كنا ننتج أفكارا للتعايش، فقد تكفل أحد اصدقائي بإيصال خبر إلى عائلتي، حينها كتبت عنواني في تركيا على ورقة سجائر، وتم لفها بشكل صغير وعند زيارة والدته تم تهريبها بظفره، وأنا ممتن لهذه الأسرة التي ذهبت إلى تركيا وأبلغت عائلتي بمكان وجودي، ولأول مرة أحس بالزمن حين زارني أخي وكنت قد تركته بعمر ثماني سنوات، وجدته رجلا كبيرا ومتزوجا ولديه ولدان، هنا أدركت أنه مر وقت طويل".

انطلاق الثورة السورية

مع انطلاق الثورة السورية، أحس السجين بأمل مع الأخبار المسربة، و"راودني شعور بأنه من الممكن أن أغادر السجن، وحتى ذلك الوقت لم أكن أعد الأيام ولا الأسابيع ولا الأشهر، كنت أعد من السنة للسنة، وتوقعاتي بخروجي من السجن كانت تبتعد، وأقول ممكن بعد مضي 20 أو 25 سنة، وأحلامي كانت طفولية متواضعة".

الإفراج

قدم رياض أولار طلبا للإفراج عنه للمحامي العام، وكان الرد أنه من الممكن تقديم طلب بعد أن يكون قد مضى عليه في السجن 20 عاما، وكان قد بقي لذلك ثلاثة أشهر، "هنا تغيرت كل حياتي قبل ذلك لم تعد الحياة تعني لي شيئا هنا، فقط أحسست أن اليوم طويل يمضي كأنه سنة، ولكن ما كنت لأخرج لولا دفعي للمال.

الأمن السوري سلمني للأمن التركي على معبر كسب الحدودي، أمي التي كانت تنتظرني قطعت الطريق وأنزلتني من سيارة الشرطة، أمسكت بي وأصبحت تشمني، لقاء الأم بابنها بعد غياب 21 سنة.

عند تسليمي لأهلي اجتمعت عائلتي حولي، هناك من يناديني عمي، وهناك من يناديني خالي، وكان من الصعب علي استيعاب ما يجري، ولأول مرة بحياتي لا يوضع بيدي قيد، فكانت مشيتي مختلة، وكنت أشعر أن علي أن أضع يدي في الأمام أو الخلف لتتوازن مشيتي، حينها خلعت الحذاء وابتعدت عن أهلي، قالوا لي ماذا تفعل؟ قلت اشتقت للتراب، بالسجن ألفت الجدران الإسمنتية وأبواب الحديد، وهي لحظة مؤثرة بحياتي".

ماذا تغير بين عامي 1996 و2017؟

يقول رياض أولار: أنا من ضيعة بسيطة، فوجئت بطرقات معبدة بسيارات وصرف صحي، رأيت شيئا قيل لي إن اسمه هاتف محمول يعمل باللمس، شيء يشبه قصص الجن التي كنت أسمعها، عند اعتقالي كنا نستخدم هاتفا مربوطا بسلك وله قرص دوار، بالسجن ورد على مسامعي قصة محرك غوغل، فتوارد لذهني أنه محرك يشبه محرك السيارة، وإذا ذكرت صفحة فيسبوك يتوارد لذهني صفحة من دفتر".