X إغلاق
X إغلاق


الجمعة 30 محرم 1442 | 18 أيلول 2020


دراسة تطبيقية للدكتور مروان أبو غزالة في إدارة السلطات المحليّة


 

نظرًا لمكانة اللغة العربية في قلوبنا، وما تَسْتَسِيغُهُ أنفسنا من رحيق ورودها وعذب كلماتها وصفاء نغماتها البرّاقة، فإنها تحتاج منّا إلى العمل الدؤوب والدراسة المتواصلة، والعمل الجاهد حتى نُفَتِّشَ عن أسرارها التي لا تنتهي، ونبرز مكانتها للعالم أجمع، ونُوَطّدَ دعائم حكمها ونفوذ عرشها في دولنا ومملكاتنا وجميع بقاعنا العربية منها والغربية.
من أجل ذلك، وسيرًا على خطى السابقين، أصدر الدكتور مروان أبو غزالة دراسة شاملة عن "السياسة اللغوية في السلطات المحليّة تجاه اللغة العربيّة" ضمن رسالة ماجستير أخرى له في قسم السياسيات العامّة في جامعة تل أبيب في تخصص إدارة السلطات المحليّة، وقد خَلُصَ البحث إلى أنّه عقب قانون القومية، هُمّشت اللغة العربية وتحوّلت من مكانة رسمية إلى لغة ذات مكانة خاصة. والمقصود بذلك أنّها ليست لغة ثانوية بل هي لغة محدودة مستخدمة في ظروف خاصة جدا.
إضافة إلى ذلك، فقد كانت اللغة العربية لغة هامشية ما قبل قانون القومية، وذلك لأنّ الدولة بكل مؤسساتها همّشتها وَوَأَدَتْ مكانتها، وذلك لأسباب أيدولوجية ومن أجل تقوية الأكثرية وهيمنتها بهدف ترهّل الأقلية وتهميشها. ولكن هناك سعي لابأس به من خلال السلطات المحلية حول تمكين حضور اللغة العربية في الحيز العام المحليّ، ولقد قمنا بإجراء المقابلات توصلنا إلى العوامل التي تؤثر في اتخاذ الموقف، والتي تتلخص في: بتسمية الشوارع بأسماء عربية، ودرء المواقف السلبية لليهود تجاه السياسة اللغوية للسلطات المحلية، ومن ثم فقد قمنا بوضع (السياسة اللغوية للسلطات المحلية) موضوع هذا البحث، وقمنا بإجراء جلسات مع السلطات المحليّة ليتبين لنا حجم وكيفية استخدام اللغتين العبرية والعربية.
وقد أشار الباحث أنه لا توجد قوانين مساعدة في المدن العربية، وحتى ولو كانت هذه القوانين موجودة فإنها لا تطبّق ولا تنفذ، أي أنها معلنة دون تطبيق. كما أنّ اللغة العربية من الناحية المبدئية هي لغة مهمة ويهتم بها العرب، ولكن من الناحية التنفيذية لا تأخذ الحيز الكبير لأنّ الاهتمام باللغة العبرية يجعل اللغة العربية هامشية. فالدين له علاقة باللغة العربية لأنها لغة القرآن. ومن هنا فإننا نرى أنّ مواقف المسلمين تجاه العربية أكثر أهمية من المسيحيين والدروز.
كما أنّ هذا البحث يبين أنّ العرب لا يولون أهميّة للغة العربية رغم أنّها لغة ثقافية وحضارية، وهذا يُعزى إلى إهمال الجانب التعليمي وهو كفيل أن يجعل اللغة العربية لغة مهمّشة من حيث التنفيذ أيضا في السلطات المحلية رغم أنّ وظيفة السلطة المحلية هي تلبية احتياجات السكان.
ومما لا يرقى إليه شك أنّ احتياجات السكان هي احتياجات لغوية كما هي بنية تحتية، فتفضيل البنية التحتية على الاحتياجات اللغوية يبين أنّ السلطة المحلية هي سلطة خدمات وليست سلطة تذويت قيم ونظم اجتماعية وثقافية وحضارية، خاصة وأن السلطة المحلية التي تعيش بين الأكثرية حيث أنّ السلطات المحلية لها دور في تعزيز البنية التربوية والاجتماعية والحضارية وتقويم السلوك وتزكية النفوس بواسطة اللغة، وذلك لأنّ تذويت اللغة الأم في الممارسة اليومية والحيز العام يؤول بالتحلي بالأخلاق الكريمة والمناقب العليّة والصفات السامية، كما أنها كفيلة أن تجعل اللغة وسيلة في رأب الصدع بين الناس ودرء العنف، وذلك لأنّ أسباب العنف هي كثيرة وتعزى إلى فقدان البوصلة الاجتماعية والتربوية والحضارية والقومية، وذلك لأنّ اللغة العربية تغيّب وغُيبت عن المجتمع العربي، واستخوذت اللغة العبرية.
إنَّ تفريغ المجتمع العربي من مكانة اللغة العربية أدّى إلى ضرب القيم الاجتماعية التي أسست المجتمع العربي عرض الحائط، مما جعل الرابطة الاجتماعية والتربوية متدنية، وهذا كان كفيلا بنشر العنف وعدم احترام الآخرين، ومن ثم فإنه على السلطة المحلية أن تعيَ أنّ تلبية الاحتياجات اللغوية لا تقل أهمية عن البنية التحتية بل تفوقها. وذلك لأنّ البنية التحتية تخدم الإنسان في الأمور الحياتية المادية بينما البنية اللغوية لا تخدمه من الناحية الحياتية المادية، بل أيضا من الناحية التربوية التوعوية وهذا ما ينقص السلطات المحلية التي تستخدم اللغة العبرية كلغة مركزية. ففي حال أن قامت السلطة المحلية بتذويت اللغة العربية في الحيز العام ومراسلة المواطن باللغة العربية السليمة إضافة إلى أساليب فنية باللغة العربية فهذا كفيل لأن يجعل المواطن محبا للسلطة المحلية وملبيا لدعوتها وما كنا نعيش في أزمة أخلاقية من جهة وتسلّط الأكثرية على الأقلية من جهة أخرى.
وتتبدى أهمية السلطة المحلية في تذويت اللغة خصوصا وتذويت التربية الحضارية عموما، وذلك حتى تكون الأقلية ذات طابع اجتماعي قوي ومتين لا ينكسر أيما انكسار بفعل إخضاع الأكثرية للأقلية. بل على النقيض من ذلك؛ سوف تشعر الأكثرية أنّ الأقلية كالعروة الوثقى عصية الانكسار ولا انفصام لها، مما تجعل الدولة تعلم يقينا أنّه لا يمكن فرض لغة الأكثرية على الأقلية، وهذا يُنبئ بتعددية اللغات، ويجعل اللغة العربية لغة ذات تمكين رغم أنّ الأكثرية لا تحبّذ ذلك. فكما أن الأكثرية تريد فرض هيمنة لغتها؛ يجب أن تقوم الأقلية بتمكين نفسها من أجل فرض حضورها ووجودها، فاللغة العربية ليست وسيلة من أجل تمكين اللغة العبرية بل هي وسيلة عند السلطة المحلية من أجل جعل المجتمع العربيّ أكثر متانة وقوة وأقل عرضة للسيطرة من الأكثرية.
إنّ هذا البحث طلائعيّ لسببين:
السبب الأول: أنّ معاينة مواقف السلطات المحلية ورؤساء مسيحيين ودروز ومسلمين يجعل فهم موقف المجتمع العربيّ إزاء سيطرة الأكثرية على الأقلية وخاصة عقب قانون القومية. ومن ثم فإن فهم الموقف اللغوي يمنحنا فهما لموقف السلطات المحلية من السلطة المركزية التي لا تألوا جهدا بفرض هيمنتها.
السبب الثاني: أنّ هذا البحث ينسل من حناياه عدة توصيات من أجل توعية السلطة المحلية تجاه اللغة العربية. لذا أعرّج إلى القول أنّ الموقف المبدئي تجاه اللغة العربية أنّها لغة مهمة ويجب فرض قانون المساعد لا يكون نظريا فقط، بل إنه تطبيقيٌ أيضا، فعلى السلطة المحلية أن تُبيّن للمواطن العربي أنّ اللغة ليست مسألة لغة اتصال بل هي لغة تمكين. لأنّ قوة اللغة تشحن المجتمع العربي بقوة وحضور ووجود، فالسلطة المحلية يجب أن ترتقي بتعاملها لاحقا لتصبح سلطة محلية من أجل تمكين الجيل القادم حتى يضمن وجوده وحضوره.
جنبا إلى جنب؛ فإنه على لجنة المتابعة ولجنة التعليم العربي ولجان أولياء الأمور والجمعيات من الوسط الثالث والجمعيات غير الربحية أن تتعاون مع السلطات المحلية من أجل تمكين اللغة العربية وعدم إفشالها، كما على هذه الجهات العمل مع السلطة المحلية على الرد لقانون القومية بوساطة توعية الناس بأهمية اللغة العربية والاهتمام باللغة العربية في المدارس وفي رياض الأطفال وأيضا تهيئة الطلاب الجامعيين في زيادة الوعي اللغوي. لذا فإن هذا التعاون بين الجهات المختلفة كفيل بأن يجعل اللغة العربية ذات مكانة عليّة. ومن ثم فأقترح أيضا أن يكون التعاون بين الأوساط الثلاث؛ السلطات المحلية، والأوساط الاقتصادية والأوساط الاجتماعية من أجل تمكين اللغة العربية ليس فقط في المشهد اللغوي واليافطات العمومية والخصوصية بل أيضا في الممارسة اللغوية في الاقتصاد اليومي. وهذا يجعل التعاون مثمرا من أجل تغيير قواعد اللعبة اللغوية في إسرائيل، كما أنّ التعاون بين الأوساط الثلاث حول اللغة كفيل أن يُنبئ بتغيير أمور أخرى في الحياة الاجتماعية؛ فمثلا يمكن التعاون حول تمكين اللغة بفضل الأوساط الثلاث، ويمكن أن يكون التعاون أيضا في تذليل ظاهرة العنف ودرء عواقبها الوخيمة.
ومن ثم فقد بات لزاما على السلطة المحلية أن تعلم أنّ احتياجات المواطن اليوم عقب ازدياد العنف والتفتت الاجتماعي وعقب التحدي من قانون القومية والأكثرية هو زيادة الحضور اللغوي. فالمجتمع العربيّ لا يقوى اليوم على مواجهة الدولة وعلى التظاهر ضد قانون أي سياسة، وذلك لأنّ المجتمع متفتت لغويا ولا يمكن تجميع قواه دون اللغة.
وفي نافلة القول وعصارته، بيّن الباحث في الدراسة أنّ هذه الظروف تستدعي تنفيذ قانون المساعد حول اللغة ليس فقط بحضورها، بل أيضا بنوعيتها في اليافطات حتى تكون اللغة العربية ثقافة وتربية ونهجا ومنهاجا للمجتمع العربيّ. كما أنّ هذا التمكين يُعرّج إلى القول أنّ اللغة العربية تكون لغة اقتصادية في السلطة المحلية، ولن تكترث لفرض اللغة العبرية كلغة اقتصادية. كما أنّ السلطة المحلية تستطيع تمكين لغتها ضمن القانون وعليها أن تُبدد وتُذلل التفكير المسبق ومؤداه أنّ السلطة المركزية سوف ترى بهذه السياسة خرقا للتعددية. بل نقيض ذلك؛ ستعلم السلطة المركزية أنّ السلطة المحلية واعية على تنفيذ احتياجات المواطن.
وقريبا ستصدر له دراسات في اللغة الانجليزيّة في مجلات محكّة بالمشاركة مع الدكتور عاموس زهفي رئيس قسم السياسات في جامعة تل أبيب.