X إغلاق
X إغلاق


الخميس 12 ربيع الأول 1442 | 29 تشرين أول 2020


وشاخت الأحزاب..!


 

المتابع للحلبة السياسية في صفوف الفلسطينيين في الداخل يلمس أن الأحزاب والحركات السياسية في صفوف الفلسطينيين في الداخل تعاني من عدة ظواهر تجعلنا نشير إلى أنها شاخت ويبدو أنه حان الوقت لبث الروح فيها.
من هذه المظاهر:
1. تراجع المشاركة الشعبية: التراجع في المشاركة الشعبية في الفعاليات السياسية التي تقوم عليها الأحزاب السياسية العربية وحتى في موجة الانتخابات كان العمل الشعبي والمشاركة الشعبية في حراك ما قبل الانتخابات محدودين. ناهيك عن المظاهرات والفعاليات التي تقوم بها المتابعة ومجمل الأحزاب على مدار السنوات الأخيرة. يمكن عزو ذلك لعدة أسباب منها تراجع الاهتمام بالشأن السياسي العام، الفردانية التي تجتاح المجتمعات وتراجع الهم الجماعي، إنشغال الناس بقوت يومهم (وهذا كان على الدوام)، عدم مخاطبة خطاب الأحزاب والحركات السياسية العربية للمجتمع العربي، أو عدم قدرة هذه الحركات والأحزاب على إقناع الناس بأن ما تقوم به مهم ويجب دعمه. وعدد كبير من هذه الأسباب مرتبط بدور الأحزاب في الحيز العام وحقيقة قيادتها وانغماسها ومخاطبتها لمجتمعنا (إضافة لعوامل بنيوية ومجتمعية أخرى). كلي إدراك أن الأحزاب والحركات السياسية لا يمكنها أن تتحمل المسؤولية كلها، ولكنها عنصر أساسي ومهم من هذه المسؤولية يقع على الأحزاب والقيادات في مجتمعنا العربي.
2. ضمور الإنتماء الحزبي: بات هناك شعور أن الانتماء الحزبي بات في ضمور وتراجع في مقابل مد حزبي كان قبل سنوات وتترجم بالنقاش السياسي والفكري وزيادة الانتماء للأحزاب فيما اليوم هذا النقاش والانتماء الحزبي في صفوف المجتمع العربي يتراجع بل وأن عدداً من المحزبين باتوا يتراجعون خطوات للوراء في إظهار انتمائهم الحزبي. هذا التراجع (والذي بحاجة لدراسة وبحث معمقين لسبر مداه وحقيقته وأسبابه)، يشير إلى أن هذه الأحزاب أو سياساتها وقيادتها الحالية لم تعد تُلبي مطلب وتطلعات منتسبيها ومجتمعنا.
3. تراجع العمل الشعبي: يدرك الجميع أن هناك تراجع في العمل الشعبي والمشاريع الشعبية المجتمعية والتي كانت لسنوات تقودها الأحزاب والحركات السياسية في الداخل، مع أفضلية كانت واضحة تحسب للحركة الاسلامية الشمالية قبل حظرها، ولكن هذا العمل الشعبي والجماهيري ومشاريع العمل في كافة ميادين عمل مجتمعنا تراجعت بشكل واضح، وهذا بدوره أثّر على علاقة الناس بالعمل السياسي والحزبي، لكون هذه المشاريع كانت مفتاحاً للتعاون بين القيادة السياسية والناس وكانت تجيب عن مشاكل الناس وهمومهم وتشركهم في الهم العام وتشاركهم إياه. فيما هذه الأيام تتراجع هذه الفعاليات على حساب تعويل كبير على المشاريع الحكومية تجعل الناس، بشكل مباشر أو غير مباشر، مرتبطة بالانتماء والبوتقة الاسرائيلية بشكل كبير، ويجعلهم ينغمسون في هذه الهوية على حساب الانتماء الوطني والديني العام. وفي هذا السياق ومع التراجع الكبير لهذه المشاريع، لا يمكن النفي أن هذه المشاريع ما زالت ولكن بزخم قليل جداً وتراجعت لتقتصر على بعض مشاريع للحركة الاسلامية الجنوبية، والتي هي بالمناسبة مرتبطة بجزء منها بفكرها وأخرى لحاجتها لزخم جماهيري وإعلامي يفيدها سياسيا، ومشاريع أخرى قليلة للمتابعة مقتصرة على بعض القضايا التي تعمل عليها لجان محددة جداً في المتابعة.
4. ضعف العمل التنظيمي: يرى كل مراقب ومتابع عن كثب أن العمل التنظيمي الحزبي في الأحزاب والحركات السياسية العربية بات يتراجع، فبات عدد من الأحزاب يُحكم بطبقة من المتنفذين يملون سياسة الحزب، وباتت في السنوات الأخيرة تخرج أصوات مستاءة من هذا الواقع في عدة أحزاب عربية. كل ذلك مع زيادة نفوذ أعضاء الكنيست على العمل الحزبي في عدد من الأحزاب، وذلك بدلاً أن تكون الحركة والحزب هما اللذان يقودان توجهات أعضاء الكنيست، ويكون العمل في الكنيست ذراعاً من أذرع العمل السياسي لهذه الأحزاب والحركات.
5. تراجع المشروع السياسي والفكر السياسي: يلمس كل متابع للساحة السياسية في الداخل الفلسطيني أن المشروع والفكر السياسي والنقاش الأيدلوجي والفكري الذي يكون يقود البعض لسنوات ويحرّك المياه الراكدة على صعيد قيادة مجتمعنا ويساهم في المشروع الوطني والجمعي للفلسطينيين في الداخل، بات في تراجع، لتسيطر على العمل البراجماتية المفرطة، البعيدة أحياناً عن المشروع السياسي والوطني والديني الذي حرصت عليه الأحزاب والحركات العربية. هذه النقاشات كانت مهمة لتحافظ على فكر شعبنا وتحفظه من جوانب دخيلة على هويته وانتمائه، فيما باتت البراجماتية المفرطة حالة واضحة تتسبب في تخبط مجتمعي وضياع بوصلة. هذا لا يعني عدم الحاجة للبراغماتية ولكنها يجب أن تكون مضبوطة ومرتبطة برؤية مستقبل شعبنا وقضيته ومرجعيته الوطنية والدينية.
المتابع للساحة السياسية العربية في صفوف الفلسطينيين في الداخل يظهر له أن الأحزاب السياسية العربية دخلت مرحلة الشيخوخة من حيث الأداء الحزبي الجماعي المجتمعي (بل والفردي) وارتباطها بالكنيست وبالعمل السياسي المحدود يرى أنه هو سيد الموقف. ومع حالة التراجع الحزبي ومظاهرها التي ذكرت يمكن رؤية انعكاس ذلك على عدة قضايا (يمكّن أن يفصل بها لاحقا) ومنها الاعتماد الكبير على الكنيست وكأنه هو المفتاح السحري لحل قضايا شعبنا، زيادة الارتباط ووضع القضايا الحياتية في واجهة قضايا شعبنا على حساب المشروع الوطني العام والارتباط بهوية وقضية مجتمعنا، شعور بزيادة “الانتماء الاسرائيلي” وتقدمه على حساب الانتماءات “الأخرى”، تراجع المبادرات المجتمعية والجماعية المعتمدة على مجتمعنا والمرتبطة بهويته وقضاياه، كما ونلمس أن ذلك يترافق مع تراجع البعد التمثيلي والوجود القيادي لقيادات مجتمعية تسير بمجتمعنا برؤية واضحة مرتبطة بهوية مجتمعنا وقضيته.
كل ذلك من تمظهرات الشيخوخة التي تعاني منها أحزابنا، تحتاج لروح جديدة وإعادة ضبط للبوصلة وعمل جماعي وفي النهاية تخلّق سياسي جدي خصوصاً إذا لم ينجح بث الروح فيما مضى ولم يتم تدارك هذا الواقع!