X إغلاق
X إغلاق


الخميس 10 رمضان 1442 | 22 نيسان 2021


“جيل الزوم”… ماذا يصنع التعليم عبر الانترنت بمستقبل ابنائنا؟!


بعد حوالي سنة كاملة من الدراسة المتقطعة التي كان معظمها عبر الانترنت وتطبيق “زووم”، بدأت الاسبوع الماضي، مرة أخرى، محاولة العودة الى الدراسة الوجاهية. معظم البلدات العربية لم تعد إلى التدريس الوجاهي بسبب نسبة المرضى العالية والتطعيم المنخفضة، الا أن بعض الاهالي والمجالس المحلية والمدارس قررت تنظيم دراسة “في الهواء الطلق” حسب تعليمات وزارة الصحة.

صحيفة “المدينة” تناولت ملف الدراسة عن بعد وجوانبه الظاهرة والمخفية التي تؤثر على حاضر الطلاب ومستقبلهم.

تحدثت “المدينة” إلى د. هامة أبو كشك – محاضرة وباحثة في قسم الإعلام- الكلية الأكاديمية سبير، حول الفجوات التي قد يصنعها التعليم عبر الانترنت وتأثيره على الطلاب في المجتمع العربي بشكل خاص.

المدينة: رأينا أن معظم الطلاب العرب لم يعودوا الى مقاعد الدراسة هذا الاسبوع، كيف يمكن أن يؤثر هذا الأمر على الطلاب؟

أبو كشك: البحث الذي أجريناه وجد أن الطلاب في البلاد بشكل عام لديهم أحاسيس سيئة بسبب التباعد الاجتماعي واغلاق المدارس. سألناهم ما سبب هذا الشعور وأي التغييرات الرئيسية أثّرت عليهم، قالوا إنها اغلاق المدارس والانتقال للتعلم عن بعد، وهذا بحد ذاته يشير إلى المكانة المركزية لنظام التعليم في حياتهم. المدرسة ليست مجرد إطار ندرس فيه بل هو إطار اجتماعي، هو إطار للتنشئة الاجتماعية يكتسب فيها الطفل مهارات اجتماعية مختلفة. موضوع آخر من المهم أن نتناوله هو الفجوة الرقمية التي من خلالها يوجد نسبة من الطلاب لم يشاركوا في التعليم بشكل كامل أو لم يشاركوا أبدًا.

المدينة: ما هي الفجوة الرقمية؟

أبو كشك: عندما أتحدث عن الفجوة الرقمية هناك عدة مستويات. أولًا يوجد فجوة الاتاحة والافتقار للوصول الى الانترنت، وهي عدم المساواة في اتاحة تكنلوجيا الاتصال وملكيتها، وهذا يمكن أن يكون سببه البنية التحتية كعدم وجود الكهرباء أو اتصال ثابت في الانترنت. أيضا تتعلق هذه الفجوة بالافتقار الى اجهزة للاتصال بالانترنت كالحاسوب والتابلت، هذا ما ندعوه فجوة الاتاحة. وفي المقابل هناك فجوة المهارات، وهي وجود مهارات تمكن الشخص من استخدام امثل للتكنولوجيا المطلوبة في البيئة الرقمية، فيمكن أن نجد شخصًا لديه حاسوب أو هاتف ذكي لكنه يفتقر الى مهارات التكنولوجيا الرقمية ولا يجيد استخدامه. فقلة الاتاحة الى جانب صعوبات الاستخدام يمكن ان تؤدي الى اقصاء مجموعات وافراد وتحديد استخدامهم وتطوير استخدامهم، والامر يؤدي الى استمرار فروقات اقتصادية واجتماعية قائمة، بل ان الاقصاء الرقمي هو أحد اكثر أشكال الاقصاء قسوة في مجتمعنا، لانني إذا أردت التقدم لعمل ولا أجيد المهارات التكنلوجية الاساسية لن يتم قبولي، فهذه الفجوة الرقمية يمكن أن تزيد الفجوات الاقتصادية الاجتماعية الموجودة. المجتمع العربي يعاني من التهميش، الفقر، غياب البنية التحتية، اتاحة جزئية للحواسيب ومستوى متدن من المعرفة الرقمية، هذا بدوره يخلق فجوة ثابتة بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي. وهنا من المهم عرض المعطيات، فحسب دائرة الاحصاء عام 2019 كانت نسبة استخدام الانترنت لدى اليهود فوق جيل 20 عامًا هي 85.5%، مقابل 74% في المجتمع العربي. كذلك تبين أن 78% من البيوت اليهودية قامت باتفاقيات مع مزودي انترنت مقابل 49% من البيوت العربية.

المدينة: هل هناك فجوات داخل المجتمع العربي؟

أبو كشك: نعم، فداخل المجتمع العربي يوجد فجوات بين الشمال وشرقي القدس والنقب. فتصل نسبة الاتصال بالانترنت في القرى البدوية غير المعترف بها 34% فقط على الرغم من أن دولة اسرائيل تعتبر من الدول الرائدة في مجال استخدام الانترنت و78% من المنازل بشكل عام متصلة بالانترنت. لكن عندما نصل الى القرى البدوية تختلف الصورة تمامًا، وعندما نتحدث عن القرى غير المعترف بها فلا يوجد اتصال بالكهرباء والبنى التحتية، فيضطرون للاستعانة بالشبكة الخلوية للاتصال بالانترنت بالرغم من أن التغطية معدومة في كثير من القرى، وحتى في القرى المعترف بها فإن التغطية الخلوية جزئية نتيجة توصيل عدد قليل من الهوائيات في البلدات البدوية. فنسبة الهوائيات مقابل عدد السكان في البلدات اليهودية في النقب هي 1 الى 1217، بينما تصل النسبة في البلدات البدوية المعترف بها، من 1 الى 5783. من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار وجود تمييز ايضًا في جودة الخدمة الخلوية، فمعظمنا نستخدم تكنولوجيا 4G، بينما في القرى البدوية يستخدمون تكنولوجيا 3G. فإذا تحدثنا عن التعلم عبر الحاسوب في الفترة الاخيرة حيث تم اغلاق المدارس، حيث ان قدرة التلميذ بالتعلم تعتمد على وجود جهاز حاسوب واتصال ثابت بالانترنت ومعرفة استخدام التكنولوجيا، لكن حسب معطيات وزارة التربية والتعليم الاسرائيلية 20% من الطلاب لا يوجد لديهم هذه الشروط، وبالتالي فإما أنهم شاركوا بشكل جزئي بالتعليم أو لم يشاركوا على الاطلاق. لكن عندما فحصنا لدى الطلاب العرب وجدنا أن 26% من الطلاب العرب ليس لديهم جهاز حاسوب و38% ليس لديهم اتصال بالشبكة. أمّا المعطيات التي نشرتها لجنة حقوق الطفل في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2020، حيث تبين أن هناك حاجة لـ 400 ألف جهاز حاسوب لدى الطلاب العرب، تمكنت وزارة التربية والتعليم من توفير 200 الف جهاز فقط، بعد تسعة أشهر من بداية الدراسة عن بعد، أمّا الباقي فحتى الآن لم توفر لهم الاجهزة المطلوبة. أضف الى كل ذلك، أن القرى غير المعترف بها ليس فيها شروط أساسية ولذلك لا يقام التعلم عن بعد على الاطلاق. معرفة هذه المعطيات مهمة جدًا لكي نفهم وضع الطلاب.

المدينة: ماذا عن المعلمين في فترة التعليم عن بعد؟

أبو كشك: حوالي نصف المعلمين العرب، قالوا إنهم بحاجة لمساعدة في تخطيط الدروس عن بعد والبحث عن معلومات في الانترنت، بل كانت لديهم صعوبة حتى في تقييم التدريس عن بعد ومساعدة الطلاب المستصعبين. أي انهم وجدوا صعوبة في الاستجابة لاحتياجات الطلاب. فقط ثلث المعلمين المشاركين في الاستطلاع لديهم انترنت ثابت، عدا ذلك 28% من المعلمين أفادوا أنهم حققوا بشكل كبير اهداف التعليم وحققوا مخطط المنهاج، بينما في المدارس الابتدائية كانت النسبة 21% فقط. هذا الانتقال كان صعبًا ايضا لدى المعلمين وخاصة العرب، بالاضافة الى الصعوبات في تحفيز الطلاب للدراسة عن بعد، واعتقد أن هذا يتعلق بطريقة تمرير الدروس، فمعظم المعلمين نقلوا الدروس الوجاهية لتكون عن بعد وهذا الامر لا يلائم الانتقال للتكنولوجيا.

المدينة: هل هذه الفجوات ظاهرة عالمية أم فقط في مجتمعات معينة؟

أبو كشك: هناك عدة عوامل تلعب دورًا في تكوين الفجوة الرقمية، الدراسات تسلّط الضوء على متغيرات مثل الجيل، الجندر، مستوى التعليم، الوضع الاقتصادي الاجتماعي، فحسب الابحاث الاشخاص ذوي التعليم العالي والوضع الاقتصادي الاجتماعي الجيد، يستخدمون الانترنت بطريقة اقضل. ففي كل مجتمع هناك فئات مهمشة لكنها تختلف، فيوجد فجوات رقمية بين الاجيال وبين النساء والرجال. مثلًا في مجتمعنا العربي لدى الجميع هاتف ذكي لكن الامر يتعلق بطريقة استخدام هذا الهاتف، فمثلًا الاولاد العرب يستخدمون الشبكات الاجتماعية اكثر ويصدقون الاخبار المكذوبة اكثر، فهنا الفجوة الرقمية هي في المهارات والقدرة على التأكد من صحة المعلومات التي نتلقاها.

المدينة: هل هناك ما يستطيع الاهل فعله لمساعدة ابنائهم في الوضع القائم؟

أبو كشك: نحن نعلم أن هذه الفترة أثّرت كثيرًا على الاطفال بشكل خاص، ومن المهم جدًا ان يقف الاهالي الى جانب ابنائهم، ان يرافقوهم ويصغوا اليهم. فحتى أكاديمية الطب الامريكية تحوّلت من الحديث عن تحديد وقت الشاشات وفرض قيود عليه الى التركيز على اهمية نوع استخدام الشاشات، فهم ينصحون بوجود وقت مشترك امام الشاشات من قبل الاطفال والبالغين، لأن وقت الشاشة تضاعف في فترة الكورونا، ويمكن للطفل أن يتعلم أمورا مفيدة من الانترنت، فيوجد هنا دور للاهالي. لكن قبل ذلك من المهم ان اعلم بماذا يمر ابني من ناحية مشاعره، أن نتحدث معهم ايضًا عن الاوضاع الجارية، فقد وجدنا أن مشاعر الخوف لدى الاولاد العرب اكثر من اليهود لانهم يشعرون بالصعوبات التي يمر بها اهاليهم اكثر من اليهود، فمن المهم الحدث مع اطفالنا وان نساعدهم ليفهوا ويخففوا قلقهم. اضافة الى الاستخدام الصحيح لوسائل الاعلام فمن المهم زيادة الوعي بموضوع إدارة وقت الشاشة، فمعظم الاولاد الذين سألناهم لم يكن لديهم تحديد لوقت الشاشة، هذا الامر مهم.

“التعليم في المجمعات التجارية”!

مع شعور بعض الأهالي بالظلم حيال قرار افتتاح المجمعات التجارية والابقاء على المدارس مغلقة، بادر بعض الأهالي في أماكن متفرقة في البلاد الى بعث ابنائهم للدراسة في المجمعات التجارية احتجاجًا ومطالبة بافتتاح مدارسهم.

“المدينة” تحدثت الى السيدة رهام اغبارية، والدة طالب في الصف الثالث في مدرسة قحاوش- أم الفحم، حول قرار بعث ابنها للدراسة في المجمع التجاري.

تعرض السيدة ريهام الفكرة بقولها: “قمنا أمهات من مدرسة قحاوش بمبادرة من أجل الاحتجاج على الوضع الراهن.. وجاءت الفكرة عندما تحدثنا كمجموعة امهات عن اشتياق الطلاب لبعضهم، للمدرسة، لمعلماتهم، لصفوفهم، والاهم من ذلك لحياتهم الاجتماعية، فمن هنا سألنا أنفسنا لماذا يمنع أن يلتقوا في المدرسة ويسمح لهم ذلك في الاماكن التجارية والمتنزهات والنوادي وبرك السباحة الداخلية؟ لذلك جاءت هذه الخطوة الاحتجاجية لإثبات أن إغلاق المدارس الذي لا زال قائما، لا يمنع التقاء الطلاب في أي مكان آخر. فلماذا بالاخص المدارس مغلقه؟ رغم وجود نظام في المدرسة وتقسيم لكبسولات وفي كل صف 10 حتى 12 طالب والذين يلتزمون بالجلوس على مقاعد منفردة مع تعقيم ذاتي؟! إمّا أن تغلق جميع الدولة بشكل تام، لا تغلق المدارس فقط. أولادنا اشتاقوا لمقاعدهم، يكفي هذا الاستهتار”.

وتضيف: “لاقت هذه الخطوة اصداء ايجابية بشكل عام. لأن الفكرة واضحة، ونشجع الجميع بتبني هذه الطريقة، والاحتجاج بشكل يومي كي نصعّد الضغط على فتح المدارس. أكرر مرة أخرى التسوق والتنزه ليسا اهم من مستقبل اولادنا. الشيء لا يحصر على المجال التعليمي بل وعلى الحياة الاجتماعية”.

واختمت السيدة ريهام اغبارية قائلة: “بدورنا لن نتوقف حتى نحصل على مطالبنا ونتمنى من الجميع فهم سبب قيامنا بهذه الخطوة، نحن لا نساوم على صحة أطفالنا بل نريد إيصال رسالة مفادها أن اغلاق المدارس لا يمنع الالتقاء بأماكن أخرى. نرجو من الله عز وجل السلامة للجميع والعودة للمجرى الطبيعي للحياة”.

أمّهات يتحدثن عن مصاعب أولادهن في التعليم عن بعد

حلا حسيان- جديدة المكر: “ابنتي بصف العاشر لم تواجه مشاكل من جهة التعليم لأن طبعها الهادي مكّنها من المكوث وقتًا طويلًا أمام التلفون، الشيء الوحيد الذي اتعبها كان الجلوس مقابل الحاسوب، بما أن إضاءة شاشة الحاسوب اقوى فالشيء مزعج للعيون. أمّا بالنسبة لابنتي في الصف الثامن فالأمر أصعب لأنها تعاني من الحركة الزائدة وليس باستطاعتها المكوث طويلا، تراجعت للأسف”.

أمال أبو شعلة- عرعرة: “ابني يتذمر من الدراسة في الزوم، ويقول إنها صعبة، فالمعلمون لا يحتملون الطلاب ويعتقدون انهم يتسلون فقط، هذه الطريقة في الدراسة هي فوق طاقتهم. أما انا فأشعر بالضغط لأنني مضطرة لمتابعة ثلاثة ابناء في دراستهم والاهتمام ألا ينقطع الانترنت. أشعر أنني مراقبة ومضغوطة طوال الوقت، الامر الذي يسبب توترًا في المنزل، بالإضافة لكل ذلك فقد خسر الاولاد المواد التدريسية وتعرضوا للأجهزة الالكترونية لوقت أطول بكثير من المعدل”.

مهيرة المروان- طرعان: “لدي ابنة في الصف السابع، في البداية كان من الصعب جدًا ان تتأقلم مع التعلم عن بعد بالإضافة الى نوع من الخوف ألا تتدبر أمورها أو تفهم المواد التعليمية. قلت لها إنه لا يوجد حل آخر حتى تنتهي هذه الازمة وانت طالبة مجتهدة سواء على مقاعد الدراسة أو وراء شاشة الحاسوب، والحمد لله رب العالمين بالنهاية نجح الامر وتأقلمت وهي من البنات المجتهدات اللواتي يشاركن دومًا في الدروس. حتى أنها دخلت مستشفى بسبب وعكه صحيه وكانت تشترك وتحضر الحصص وهي ترقد على سرير المستشفى”.

إيمان خطيب فاعور- شعب: “فتره كورونا ليست بالهينة على كل ابنائي، وأخص بالذكر ابنتي بصف عاشر، فهم تعلموا لمدة أقل من شهر في المدرسة وخرجوا للتعلم عن بعد. فتره صعبة تحمل في طياتها تحديات عديدة، ماده جديدة، مدرسة جديدة، معلمون جدد وزملاء جدد. التأقلم مع كل هذه الامور في نطاق المدرسة يأخذ بعض الوقت مع الأخذ بعين الاعتبار التواصل الاجتماعي وتكوين صداقات. أمّا من وراء الشاشة وجمودها أتعب نفسية ابنتي، واتعبها أيضًا من الناحية التعليمية، تراكم المهام، وكأن المعلم جلّ اهتمامه تمرير المنهاج دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالطالب الجالس وراء الشاشة كل النهار حتى الساعة الثانية ظهرًا، وبعد ذلك ما يقارب 3-4 ساعات دراسة وإرسال مهام. هي تجربة ليست بالهينة أبدًا من جميع النواحي”.