X إغلاق
X إغلاق


الأحد 27 شوال 1443 | 29 أيار 2022


د. علي خليل جبارين: مرحلة الطفولة المبكرة هي الأساس (2)


 

سنوات الطفولة المبكرة (3-5 سنوات) تعتبر من اهم المراحل التعليمية على الاطلاق  وتشكل ثاني اكبر الفجوات الملحة في  جهاز التعليم العربي. انها لا تقل أهمية  عن الفجوة الأولى وهي المستوى المتدني في المهارات اللغوية والمعرفة المعمقة بعلم الرياضيات وفروعه المختلفة.  هنالك علاقة قوية وتكامل كبير بين الفجوتين.  المهارات اللغوية و الرياضيات  بمثابة الروح التي تدب في جهاز التعليم الهرمي  على كل مستوياته وفي كل مراحله  لتحوله من مجرد مبنى  الى بيت دافئ مليء بالحيوية, التواصل, التفاعل و الحياة.  اما  مرحلة الطفولة المبكرة فهي بمثابة الاساس الذي  يرتكز عليه هذا المبنى الهرمي كي يقف شامخا في وجه التحديات و المتغيرات.  كلما تكاثفت جهود أبناء المجتمع الواحد  لتعزيز وتمكين هذا الأساس كلما ازداد  الهرم التعليمي قوة ومتانة.  

طفل اليوم هو رجل الغد وما يحدث في سنوات الطفولة المبكرة له انعكاس قوي ومباشر على مستقبل مجتمعنا. ما نفعله من اجل أطفالنا وما نقدمه لهم اليوم يحدد هوية ونوع المجتمع الذي سنحصل عليه في الغد.  وفي هذا السياق يقول الامام الغزالي رحمه الله بان الطفل  " قابل لكل ما نقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال إليه، فإن عُود الخير وعُلمه نشأ عليه وسعد.. وأن عُود الشر وأهمل شقي وهلك".  قول في غاية الأهمية و يلقي بمسؤولية كبيرة على كاهل البالغين في حياة الطفل وعلى البيئة التي يترعرع فيها. تأكيدا لأهمية هذه المرحلة فقد اطلق العالم الألماني فريدريك فروبل عام 1837 اسم روضة ( Kindergarten) على المكان الذي اختاره لتعليم الأطفال أي انه يجب الاعتناء والاهتمام بتربية الأطفال تماما كما تتم العناية بتربية الازهار والنباتات. كليهما يحتاج الى بيئة  ملائمة وتنشئة سليمة.  

هذه البيئة تساعد على تطوير الطفل عقليا, عاطفيا, نفسيا, روحيا و جسديا/حركيا. وتعزز ثقته بنفسه  وبزملائه وبمعلماته وتقوي شعوره بالانتماء لمجتمعه.  بيئة محفزة, امنة   تنمي لديه  الفضول وتقوي ذكاءه الاجتماعي والعاطفي وتطور مهارات التواصل لديه و تساعده في تطوير مهاراته اللغوية وتذوت لديه  حب القراءة والاطلاع والتعلم.   تعتمد على وسائل  تعليمية قائمة على أسس ونظريات وابحاث علمية تتيح للطفل ان يعزز طاقاته  و قدراته الكامنة. بيئة تعلمه معنى المشاركة واللعب المشترك مع اترابه.  يحترم فيها الاختلاف والتنوع و تعد طفل اليوم من اجل قيادة مجتمع الغد. 

كما وأكدت الكثير من الأبحاث في هذا المجال ان الاستثمار في هذه المرحلة يعود بالمنفعة القصوى على المجتمع. فكل شيكل يستثمر في هذه المرحلة يعادل استثمار 1000 شيكل في مرحلة التعليم الابتدائي  و 2000 شيكل في مرحلة التعليم الإعدادي  و 3000 شيكل في مرحلة التعليم الثانوي.  أي ان المردود الاقتصادي, الاجتماعي والنفسي للاستثمار المسؤول في هذه المرحلة  كبير جدا.  تنظر الكثير من المجتمعات للأطفال على انهم كنز بشري وان الاستثمار بهم  وتربيتهم تربية سليمة  يجنب هذه المجتمعات الكثير من ظواهر العنف والجريمة ويمكنهم من المساهمة النوعية في بناء وتطوير مجتمعاتهم.  بالمقابل عدم الاستثمار و الاهمال في تربيتهم له انعكاس سلبي وقد يكلف هذه المجتمعات ثمنا باهضا.  

لا مبالغة في القول ان مربيات ومعلمات الروضات والبساتين هن صانعات الرجال. هذه المهنة تعتبر من اهم وانبل المهن الدنيوية التي على المجتمع ان يوليها كل الرعاية, الاهتمام والاحترام.  دون ادنى شك بأن مرحلة الطفولة المبكرة  في  جهاز التربية و التعليم العربي في البلاد قد خطت خطوات  جيدة في السنوات الأخيرة من حيث  توفير البيئة التعليمية الملائمة للأطفال العرب.  كما وان التأهيل المهني للمعلمات في هذه المرحلة  قد شهد تطورا ملحوظا.  لكن النظر بعدسة مهنية ناقدة الى ما يجري في الحقل يبين ان هنالك فجوات كبيرة تنعكس سلبا على  سيرورة العمل وتقلل من أهمية الإنجازات التي تحققت على المستوين المادي والمهني. من اهم هذه الفجوات ما يلي:

  1. قد نجد فوارق  كبيرة  بين روضات والبساتين مختلفة في البلد الواحد او حتى الحارة الواحدة من حيث جودة البناية, موقعها  وبيئتها التعليمية و المادية. هذه الفوارق كثيرا ما تؤدي الى  حصول فجوة تحصيلية, اقتصادية و اجتماعية بين أبناء  البلد الواحد. 

  2. كثيرا ما نصطدم بالإدارة السيئة والغير مهنية لملف المساعدات وخاصة المساعدات  البديلات الامر الذي ينعكس  سلبا على سير العملية التعليمة في الروضات. على قسم المعارف و وحدة الطفولة المبكرة اخذ زمام الأمور واعادة ترتيب الأوراق في هذا الملف الحساس والمهم. 

  3. لا نزال نرى العديد من الروضات المستأجرة والتي قد  لا ترقى في كثير من الأحيان للمستوى المطلوب لتوفير البيئة التعليمية الملائمة لأطفالنا. 

  4. عدم الانسجام بين المعلمة المربية  والمساعدة او المساعدات في الروضات  او البساتين له بالغ الأثر السلبي على العملية التربوية والتعليمية في هذه الصفوف. هنا تأتي مسؤولية القائمين على قسم المعارف, الطفولة المبكرة والتفتيش لأداء واجبهم واحداث التغيير المهني المطلوب. 

  5. بعض التعيينات في ملف المساعدات البديلات قد لا تراعي المعايير المهنية الشفافة التي تضمن اختيار الأفضل تربويا ومهنيا لهذه الوظيفة الأهم في مجتمعنا.  يجب على قسم المعارف ووحدة الطفولة المبكرة اخذ زمام الأمور وعدم السماح لمثل هذه التجاوزات.

  6. بعض روضات الأطفال تقع في أماكن شبه مظلمة,  لا ترى اشعة الشمس او الهواء الطلق او تفتقر للمساحة  الكافية, النظافة اللازمة او الصيانة المستحقة!  لذلك يتعذر انشاء أماكن وزوايا خاصة من اجل الفعاليات والنشاطات الضرورية لنمو الأطفال وتطورهم السليم.   

  7. عدم تخصيص الميزانيات  الكافية لصفوف هذه المرحلة او استعمال الميزانيات "الملونة" التي جاءت خصيصا لدعم المشاريع في هذه المرحلة  واستخدامها لأغراض أخرى  ينعكس سلبا على نجاعة  العملية التعليمية والتربوية. 

  8. يجب إعادة هيكلة المبنى التنظيمي لوحدة الطفولة المبكرة  من اجل تنجيع العمل في هذه الوحدة بما يتلاءم مع احتياجات الحقل. 

  9. يجب ان يكون تعريف وظيفي واضح في وحدة الطفولة المبكرة لانجاز المهام المنوطة بافراد هذه الوحدة بشكل مهني ومسؤول. 

  10. يجب  توفير منظومة تسجيل محوسبة وثابتة وفق معايير واضحة, منصفة ومهنية. 

علينا جميعا تقع مسؤولية دعم جهازنا التعليمي والاستمرار بمشروع "مدارسنا بيوتنا"  الذي انطلق قبل ما يقارب السنتين وهو مشروع العمل التطوعي الذي  شمل كل مكونات, شرائح ومؤسسات المجتمع الفحماوي. 

سلم الله أهلنا وبلدنا والله الموفق والمستعان

د. علي خليل-  نائب رئيس بلدية ام الفحم- مسؤول ملف المعارف

محاضر في اكاديمية القاسمي