X إغلاق
X إغلاق


الأحد 27 شوال 1443 | 29 أيار 2022


المبالغة في الأحزان


 

بالغ أناس في الأحزان، حتى أصبحت همّاً فوق الهم وعبأ فوق العبء، وربما تساوت مع الفرح في المبالغة والأعباء، فلا توازن ولا اعتدال ولا مراعاة للواقع الذي نحياه.
وبالغ آخرون في الأحزان وكأنها لا تأتي وحيدة؛ فاستدعوا الأحزان القديمة من طي النسيان وضاعفوا أوجاعهم بأيديهم، وكأن الحزن الحالي لا يكفيهم؛ فيزداد الألم والمعاناة وتعطل الأعمال وتخارُ القوى وتضعف الهمم ويستشري اليأس في النفوس، بيدي لا بيد عمرو.
فما أحوجنا إلى تصحيح المفاهيم وإتباع الشرع الرباني والهدي النبوي وإعمال العقل فيما ينبني عليه عمل، يفيد ولا يضر ويبني ولا يهدم ويقدم ولا يؤخر،
فالأصل أن نستعيذ بالله من الهم والغم والحزن
قال ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)
فالإسراف في الحزن ليس مطلباً شرعياً ولا مقصوداً بذاته، فلا هو يجلب منفعة ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، بل هو منهي عنه وإن تعلق بأمور الدين قال تعالى:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ}
بل العكس هو الصحيح فنحن مأمورون شرعا بإظهار الفرح والسرور والسعادة لاسيما في الأعياد والانتصارات وفي أوقات الطاعات (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
وحتى حين حلول المصيبة الكبرى (الموت) فلا مبالغة في الحزن بل الصبر والرضا بالقضاء والقدر، فليس من منهج الإسلام تجديدُ الأحزان وإثارةُ الأشجان فلا يشرع إحياء ذكرى الأموات لا في العيد ولا في ذكرى الأربعين أو ذكرى مرور سنةٍ أو سنتين أو سنين على وفاته.
وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز تكرار التعزية لما في ذلك من تجديدٍ وتهييجٍ للأحزان.
وذكر ابن عابدين في حاشيته (2/262) [لا ينبغي لمن عزى مرةً أن يعزي مرةً أخرى]
وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا وتكره التعزية بعد الثلاثة، لأن المقصود فيها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يُجدد له الحزن] المجموع 5/306.
وقال ابن مفلح الحنبلي: [ويكره تكرار التعزية، نصَّ عليه، فلا يُعزي عند القبر من عزى قبل ذلك] الفروع2/229.
وذلك حتى لا تتحول الحياة إلى مأتم كبير متصل الأحزان، وتظهر الفرحة والابتسامة على الوجوه فقد كان ﷺ بسام المُحيى.