X إغلاق
X إغلاق


الخميس 10 رمضان 1442 | 22 نيسان 2021


ازمة الهوية في المبنى التنظيمي للجهاز التعليمي العربي: اعدادية مستقلة ام تعليم فوق ابتدائي سداسي السنوات؟


 

الفجوة القائمة في المبنى التنظيمي في التعليم الفوق ابتدائي في المدارس العربية لا تقل ضررا عن الفجوة الكبيرة في المهارات اللغوية والرياضيات او الفجوة البنيوية والإدارية التي يعاني منها قسم الطفولة المبكرة. منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي شكلت المدارس الإعدادية المستقلة عبئا على جهاز التعليم العربي وانعكست عليه سلبا من الناحية التحصيلية, الاجتماعية والاقتصادية. نعتها الباحثون التربويون وأعضاء اللجان المختلفة الذين وكلوا بتقييهما وإظهار مدى نجاعتها بعبارات مثل "كعب اخيل "Achilles Heel او "التركيب الانفصامي Schizophrenic Structure".... معظم النتائج والتوصيات أظهرت فشل هذا النوع من المدارس بتحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها. حتى ان البعض قد شبهها بالضربة القاصمة على "العمود الفقري" للجهاز ليصبح عاجزا عن حمل الأعباء الملقاة على عاتقه. بعض النجاحات التي حققها العدد القليل من هذه المدارس لا تشفع لها امام الضرر الأكبر الذي تسببت به.
السياسات التعليمية المتبعة تجاه جهاز التعليم العربي في البلاد بشكل عام وسيرورة تطور هذا النوع من المدارس بشكل خاص يبين كيف وصل هذا النوع من المدارس لجهاز التعليم العربي. . وصف الباحثون هذه السياسة "بسياسة اللا سياسة" او سياسة "السيطرة والتفتيش". جهاز التعليم العربي منفصل شكلا وتابع لجهاز التعليم العبري جوهرا ومضمونا. سواء قانون التعليم الالزامي لعام 1949 او قانون التعليم الرسمي لعام 1953 لم يعطيا أي أهمية او خصوصية لجهاز التعليم العربي. فقط عام 2003 ادخل تعديل رقم 11 على قانون 1953 "ليعترف" بلغة, ثقافة, تاريخ, تراث و تقاليد الأقلية العربية ومجموعات سكانية أخرى في دولة إسرائيل وبالحقوق المتساوية لكل مواطني إسرائيل. سنة 2005 ابطلت بشكل نهائي وظيفة المستشار الامن الداخلي (الشاباك) المشرف على جهاز التعليم العربي في وزارة التربية والتعليم.
تطورت فكرة المدارس الإعدادية المستقلة في بداية القرن الماضي. عالميا, في سنة 1909 و سنة 1910 أقيمت اول مدرستين من هذا النوع على التوالي في كل من Colombus, Ohio وشملت الصفوف 7-8 و Berkeley, California و ضمت الصفوف7-9. بعدها مباشرة انتشرت هذه المدارس بسرعة في انحاء مختلفة من الولايات المتحدة وقامت على مبادئ واضحة من أهمها: اثراء الطلاب في المرحلة الإعدادية بمناهج ومواضيع علمية متقدمة وفعاليات لا منهجية تساعدهم على الانتقال للمرحلة الثانوية والتعليم العالي بسلاسة. صممت هذه البرامج لتلائم شريحة الجيل مع التركيز الخاص على طبيعة السنوات الأولى لجيل المراهقة والاخذ بعين الاعتبار مدى حساسية واهمية هذه السنوات ومراعاة الفوارق والقدرات والمهارات الفردية لأبناء هذه الشريحة. تم تأهيل معلمي هذه المرحلة بشكل خاص لمنع التسرب في نهاية الصف الثامن. حققت هذه المدارس بعض أهدافها الا ان العلاقات الاجتماعية المتوترة بين طلابها القت بظلالها الثقيلة على نجاحاتها, سيما وان المدة الزمنية التي يقضيها هؤلاء الطلاب في مدارسهم قصيرة ولا تمكن من بناء علاقات وطيدة بينهم.
سنة 1954 وبعد اصدار المحكمة الامريكية العليا قرارها ضد الفصل العنصري الذي كان قائما في أمريكا آنذاك في ملف عرف تاريخيا باسم " Brown v. Board of Education " انحرفت هذه المدارس عن الأهداف التي رسمت لها سابقا. رفضت المحكمة مقولة " Separate but Equal" , معتبرة ان الفصل سلوك عنصري لا ينطوي على أي مساواة. بناء على هذا القرار اصبح الهدف الأهم لهذه المدارس هو دمج ""Integration الطلاب الامريكيين البيض مع الطلاب السود من اصل افريقي. في كثير من الأحيان تواجد طلاب بيض ذوي خلفيات تحصيلية, سلوكية ونفسية صعبة مع طلاب سود اكثر تفوقا مما اثر سلبا على عملية الدمج والتحصيل في ان واحد. في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي نشرت مقالات بحثية عديدة تبين فشل هذه التجربة خاصة بما يتعلق بقضية الدمج.
محليا رأى صانعوا السياسة التعليمية في اسرائيل بهذه المدارس حلا ممكنا لمشكلة دمج الطلاب اليهود من أصول شرقية من منطقة جنوب تل أبيب وضواحيها مع الطلاب اليهود من أصول غربية من منطقة شمال تل أبيب. تم تعيين لجنة برافر "ועדת-פראוור" لهذا الخصوص عام 1963 وقدمت توصياتها عام 1965 بأن يمتد التعليم الالزامي لسنة إضافية أخرى ليشمل الصف التاسع وان يتم اعتماد مرحلة ابتدائية سداسية السنوات 1-6 , مرحلة اعدادية مستقلة 7-9 ومرحلة ثانوية 10-12. جوبهت التوصيات بمعارضة شديدة من قبل جهات مختلفة تم على اثرها تعيين لجنة أخرى لفحص الامر باسم لجنة رمليت "ועדת-רימלט" عام 1966 . قدمت هذه اللجنة توصياتها عام 1968 باقامة مدارس ابتدائية سداسية السنوات و مدارس فوق ابتدائية سداسية السنوات أيضا الا اذا ارتأت وزارة المعارف غير ذلك. من اهم الشروط التي وضعتها اللجنة: إقامة مدارس فوق ابتدائية شاملة تشمل المرحلتين الاعدادية والثانوية, أن تكون بناية المدرسة الإعدادية ملاصقة لبناية المدرسة الثانوية القائمة و إمكانية إقامة مدارس اعدادية منفردة بشرط ان يتم تطويرها بالسرعة الممكنة وتحويلها الى مدارس ثانوية شاملة.
التحديات التي واجهت تطبيق هذه التوصيات حدت بوزير المعارف في حينه زوفولون هامر عام 1978 الى تعيين لجنة جماهيرية لفحص خطة الإصلاح التي اوصت بها لجنة "ريملت". خرجت اللجنة بنتيجة ان هناك مصاعب جمة تحول دون تطبيق هذه التوصيات والتي لا يمكن تجاهلها. لجنة "دوفرات דוברת" التي أقيمت عام 2005 وقدمت توصياتها النهائية عام 2006 قررت بشكل نهائي انه يجب التخلص من المدارس الإعدادية المستقلة لما تلحقه من ضرر بجهاز التعليم في الدولة. وأكدت ان المرور بهذه المراحل التعليمية الثلاثة يشكل صعوبة بالغة على الطلاب ويضرب استمرارية وتسلسل التعليم ويتسبب بتسرب الطلاب لذلك يجب ان يكون هنالك مرحلتين فقط ابتدائية وفوق ابتدائية. أي لا حاجة للمدارس الإعدادية المستقلة.
عام 2009 تشكلت لجنة من قسم التخطيط الاستراتيجي في وزارة المعارف لفحص نجاعة المدارس الإعدادية والتسلسل التعليمي القائم ومدى انسجامه مع المرحلة الثانوية. لخصت اللجنة نتائجها كما يلي: لا توجد اهداف او سياسات واضحة تجاه الصفوف 7-9 بما يتعلق بالمجالات التعليمية, الاجتماعية والتنظيمية. وأضافت ان نتائج البحث الذي اجري عالميا توصي باغلاقها ولكن بسبب الأوضاع المالية و التركيبة السكانية يتعذر على إسرائيل العمل بهذه التوصيات في المرحلة الراهنة.
أما بخصوص المجتمع العربي فكان امر تبنيه لهذا النوع من المدارس محيرا. في بداية الثمانينات من القرن الماضي اكدت نتائج الأبحاث المختلفة بأن المدارس الإعدادية المستقلة تواجه تحديات بنيوية, تنظيمية و إدارية كبيرة وانها فشلت بتحقيق الأهداف التي وجدت من اجلها. في حين ان جهات مختلفة استخلصت العبر وراحت تبحث عن بدائل أفضل قررت السلطات المحلية العربية تبني هذا النوع من المدارس طمعا "بالميزانيات" التي عرضت عليها في حينه. رغم ادراك هذه السلطات في مرحلة متأخرة مدى فشل هذه التجربة الا انها تصرفت ببطء و عجزت عن تبني بدائل افضل.
على مستوى الدولة طرح التعليم الفوق ابتدائي السداسي السنوات كبديل عن المدارس الإعدادية المستقلة. اثبت هذا البرنامج نجاحه في المجتمع اليهودي وانعكس تطبيقه بشكل إيجابي على جهاز التربية والتعليم في هذا المجتمع. بالمقابل ما حدث في المجتمع العربي في الداخل كان مغايرا. اقتصر العنوان سداسي السنوات على المحافل الرسمية و على العارضات في المؤتمرات والمناسبات. على ارض الواقع لم يتغير شيء وبقيت المدارس الإعدادية المستقلة على حالها. بل ازداد الوضع سوءا بسبب ازمة الهوية التنظيمية التي حدثت جراء هذا التخبط. اصبح اسم المدرسة سداسية السنوات ولكن جوهرها وواقعها العملي اعدادية مستقلة بحيث لا تتم مراعاة السياسات, الأهداف, الأسس والمعايير المهنية والتعليمية التي وضعت من اجل التطبيق الناجح للبرنامج السداسي السنوات. قضايا التنسيق, التسلسل والاستمرارية التعليمية بين المرحلتين الإعدادية والثانوية كما ينص عليه هذا البرنامج تكاد تكون مفقودة.
بناء عليه و من خلال اقسام المعارف في السلطات المحلية العربية نرى انه من الضروري جدا العمل بمسؤولية و مهنية على تطبيق نموذج التعليم الفوق ابتدائي السداسي السنوات (سابع-ثاني عشر(7-12 مع مراعاة كل المعايير المهنية والاجرائية المتعلقة بهذا البرنامج. كما يجب الا نستثني فكرة العمل على والمطالبة باعاداة النموذج القديم والذي اثبت نجاحه في الماضي الا وهو أول-ثامن (1-8( وتاسع-ثاني عشر (9-12) حيث امكن. مع تقديرنا الكبير للأخوة والاخوات في اقسام المعارف و للمديرين والمديرات والقائمين على المدارس الثانوية و الإعدادية والذين نثمن جهودهم عاليا الا انه يجب علينا طرح الأمور بشفافية و عدم السماح لهذا الوضع المترهل الحالي ان يستمر. المرحلة الإعدادية لها التأثير بالغ الأهمية على مسيرة الطالب التعليمية, بلورة شخصيته القيادية وهي التي تحدد نجاعة, نجاح واستمرارية هذه المسيرة.
والله الموفق والمستعان
د. علي خليل جبارين- نائب رئيس بلدية ام الفحم-مسؤول ملف المعارف
محاضر في اكاديمية القاسمي