X إغلاق
X إغلاق


الخميس 10 رمضان 1442 | 22 نيسان 2021


المفلسون في الدنيا والآخرة بقلم: ماهر جعوان


 

وضوح المعاني والأهداف والغايات من أهم عوامل السير بالطريق الصحيح وكلما كان الطريق طويلا محفوفا بالمخاطر فلا مناص من إظهار الحقائق وتصحيح المفاهيم وبيان الحق ولفت الانتباه إلى ما غاب أو التبس على المسافرين في طريق رب العالمين، وقد خلط البعض بين قواعد البشر وسنن رب البشر، وبين قوانين الدنيا وقوانين الآخرة، وبين موازين الله وموازين العباد، مما تتطلب من الحين والآخر جلاء وإيضاحا وتفسيرا لحقائق يجب أن تجري في العروق.

قال ﷺ: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع......) مسلم
ففي موازين الدنيا المفلس من لا درهم له ولا متاع مفلس اقتصاديا

وكذلك فقير الأدب والذوق مفلس أخلاقيا

والمريض بآفات القلوب كبرا وعجبا وغرورا وشركا ونفاقا.... مفلس عقائديا

وقليل العبادة شحيح الطاعات مسرف في الآثام مفلس إيمانيا

والانطوائي الانعزالي قليل الأصدقاء والمعارف مفلس اجتماعيا

وغير ذلك من معاني الإفلاس البشري الأرضي الدنيوي المؤقت المتغير الضار بين الحين والآخر في بعض جوانبه.

بينما يحدثنا رسول الله ﷺ في بيان واضح لا لبس فيه ولا غموض عن مفاليس الآخرة، إفلاس بلا نهاية وبلا حدود وبلا عودة أو رجعة، إفلاس أبدي بميزان السماء لا تغيير بعده ولا تبديل، إفلاس دائم لا غنى بعده أبدا، إفلاس يدخل صاحبه النار.

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه ثم طرح في النار). صحيح مسلم

ويا لها من خسارة جسيمة وحسرة وندامة وإفلاس بعد غنى وذل بعد عز وضعف بعد قوة وعجز بعد قدره، أن يأتي الإنسان بحسنات كالجبال تعب في تحصيلها وأفنى حياته في جمعها وحَرم نفسه في سبيلها قال ﷺ) ترفع للرجل صحيفة يوم القيامة، حتى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما تبقى له حسنة، ويزاد عليه من سيئاتهم) صحيح.

حسنات كالجبال يجعلها الله هباء منثورا لا قيمة لها ولا وزن ولا حساب بل تفرق وتوزع وتقسم على أعدائه وخصومه، فتضيع الأجور وتذهب الحسنات وتبقى الحسرات بظلم الناس والاعتداء عليهم وأكل حقوقهم والانتقاص منهم والخوض في أعراضهم وامتهان كرامتهم والتطاول على سمعتهم بكافة الطرق والوسائل والأساليب الممنوعة والمُحرمة، فمن يتحمل كل هذه الجرائم وتلك الأعباء ومن أين يوفي الحقوق وأهل القصاص في حضرة ملك الملوك الذي لا يُظلم عنده أحد في يوم العدل المطلق

(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

لذلك يبين ويوضح النَّبِيِّ ﷺ لنا سبيل النجاة قائلا: (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ فَلْيتَحَلَّلْه ِمِنْه الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ) البخاري.