سوريا ضمن اشتباك جديد: تصعيد غير مسبوق بين الجيش وقسد
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا خلال الأيام الأخيرة أخطر تصعيد عسكري منذ سنوات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بعدما تحوّلت احتكاكات محدودة إلى اشتباكات مباشرة في نقاط تماس حساسة، أبرزها محيط منبج ودير الزور، فيما تركزت الجبهة الأساسية في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وريف حلب الشرقي.
وبحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، فإن ما يجري يعكس انهيار تفاهمات أمنية غير مكتوبة كانت تضبط العلاقة بين الطرفين لسنوات، في وقت لم تعد فيه خطوط الفصل واضحة، ولا قواعد الاشتباك ثابتة كما في السابق.
ونقلت وسائل إعلام دولية عن مصادر عسكرية سورية قولها إن تحركات الجيش الأخيرة تهدف إلى «تثبيت سيادة الدولة ومنع تكريس أي أمر واقع مسلح خارج مؤسساتها»، في المقابل تؤكد «قسد» أن قواتها «تدافع عن مناطقها وسكانها في مواجهة ضغوط عسكرية متصاعدة».
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر أمني سوري قوله إن «الجيش لن يقبل باستمرار كيان عسكري مستقل»، واصفًا ما يجري بأنه «خطوة مدروسة لإعادة ضبط المشهد الميداني». في المقابل، حذّر مسؤول في «قسد» عبر الوكالة من أن «فرض الحلول بالقوة سيقود إلى مزيد من عدم الاستقرار».
أصل الصراع: تعايش اضطراري لا اتفاق دائم
لفهم التصعيد الحالي، لا بد من العودة إلى طبيعة العلاقة المعقّدة بين دمشق و«قسد». فبعد تمدد الأخيرة بدعم أمريكي خلال الحرب على تنظيم «داعش»، نشأ تعايش قسري بين الطرفين: احتفظت الحكومة السورية بمربعات أمنية ورمزية داخل بعض المدن، بينما تولت «قسد» الإدارة الفعلية لمعظم مناطق شمال وشرق البلاد.
وتصف «بي بي سي» هذا الوضع بأنه «ترتيب فرضته موازين القوى، لا اتفاق سياسي قابل للحياة»، ومع غياب أي حل شامل للأزمة السورية، بقي الصدام مؤجَّلًا بانتظار اللحظة المناسبة للانفجار.
عوامل التصعيد: حسابات متداخلة وضغوط إقليمية
ويرى مراقبون أن التصعيد الحالي لا يمكن فصله عن مجموعة عوامل متشابكة. أولها شعور دمشق بأن البيئة الإقليمية والدولية باتت أقل حساسية تجاه تحركات عسكرية محدودة، في ظل انشغال العالم بأزمات كبرى أخرى.
ثانيها، تنامي قلق «قسد» من تغيّر محتمل في الموقف الأمريكي، ما يدفعها إلى تشديد قبضتها الميدانية ورفض تقديم تنازلات دون ضمانات سياسية.
أما العامل الثالث، فيتمثل في الضغط التركي المتزايد، الذي أعاد ملف شمال سوريا إلى الواجهة بقوة، في ظل اعتبار أنقرة «قسد» امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.
وبحسب تحليل نشرته «رويترز»، فإن «كل طرف يسعى لتحسين موقعه التفاوضي ميدانيًا، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها باهظة».
مواقف الأطراف: سيادة، أمن، وقلق أمريكي
الخطاب الرسمي السوري يركّز، وفق «بي بي سي»، على أن المعركة ليست مع مكوّن كردي، بل مع «تشكيل مسلح خارج سلطة الدولة»، معتبرًا أن اللحظة الحالية مناسبة لإعادة طرح ملف شرق الفرات من موقع أقوى سياسيًا وعسكريًا.
في المقابل، تنظر تركيا إلى التطورات من زاوية أمنها القومي، إذ تنقل «بي بي سي» عن مسؤولين أتراك أن «إنهاء الوجود المسلح لقسد أولوية دائمة»، سواء عبر عمليات مباشرة أو من خلال ضغوط غير مباشرة تمارسها دمشق وحلفاؤها.
أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى ضبط إيقاع التصعيد دون الانخراط فيه. وبحسب «رويترز»، دعت واشنطن إلى «خفض فوري للتوتر»، مؤكدة أن أولويتها منع الفوضى وعودة التنظيمات المتطرفة، لكنها لم تقدّم في المقابل ضمانات سياسية واضحة لـ«قسد»، ما يزيد من حالة القلق داخل صفوفها.
خلاصة المشهد
ما يجري اليوم بين الجيش السوري و«قسد» ليس حدثًا عابرًا، بل انفجارًا متأخرًا لصراع مؤجَّل. جميع الأطراف تضغط وتحاول تحسين شروطها، من دون استعداد لتحمّل كلفة مواجهة شاملة.
حتى اللحظة، تبدو المواجهة محكومة بسقف منخفض، غير أن التجربة السورية تُظهر أن مثل هذه التوازنات الهشّة قد تنهار بسرعة، إذا ما تغيّرت الحسابات أو أخطأ أحد الأطراف في تقدير الخطوة التالية.





