
مع كل إطلاق صاروخي بعيد المدى في الشرق الأوسط، يتبادر سؤال أساسي: كيف تستطيع أنظمة الدفاع الجوي اكتشاف صاروخ أُطلق من آلاف الكيلومترات، وتحديد مساره، بل وحتى اعتراضه قبل وصوله إلى هدفه؟
تكمن الإجابة في تكنولوجيا الرادار، وهي إحدى أهم أدوات الدفاع الجوي الحديثة، التي تعتمد على مبادئ فيزيائية اكتُشفت قبل أكثر من قرن، لكنها أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من منظومات الأمن والدفاع حول العالم.
من اكتشاف علمي إلى تكنولوجيا حاسمة
تعود جذور تكنولوجيا الرادار إلى القرن التاسع عشر، عندما أثبت الفيزيائي الألماني هاينريش هيرتز عام 1887 وجود الموجات الكهرومغناطيسية، وهي الموجات التي تشمل موجات الراديو والأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية وغيرها.
وقد لاحظ هيرتز أن هذه الموجات تنعكس عند اصطدامها بأسطح معدنية، وهو المبدأ الذي تقوم عليه أجهزة الرادار الحديثة. ورغم أن هيرتز اعتبر اكتشافه آنذاك بلا تطبيق عملي، فإن هذه الموجات أصبحت أساساً لتقنيات عديدة، مثل الاتصالات اللاسلكية والميكروويف وأنظمة الملاحة والرادار.
لاحقاً، ساهم علماء ومخترعون آخرون في تطوير استخدام موجات الراديو، من بينهم الفيزيائي الروسي ألكسندر بوبوف، الذي كان من أوائل من استخدموا موجات الراديو في الاتصالات اللاسلكية. كما طوّر المخترع الإيطالي غولييلمو ماركوني تقنيات الاتصال اللاسلكي، ونال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1909.
الدور الحاسم للرادار في الحروب
جاء التحول الحقيقي للرادار إلى أداة عسكرية حاسمة في ثلاثينيات القرن العشرين، على يد المهندس البريطاني روبرت واتسون-وات، الذي طوّر أنظمة لاكتشاف الطائرات باستخدام موجات الراديو.
وخلال معركة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، لعبت شبكة الرادارات البريطانية دوراً حاسماً في اكتشاف الطائرات الألمانية القادمة، ومنح القوات الجوية البريطانية وقتاً للاستعداد والرد.
ومنذ ذلك الحين، تطورت تقنيات الرادار بشكل كبير، لتصبح اليوم قادرة على رصد أهداف على مسافات بعيدة جداً، بما في ذلك الصواريخ الباليستية.
كيف يتم اكتشاف الصاروخ بعد إطلاقه؟
عندما يُطلق صاروخ بعيد المدى من دولة بعيدة مثل إيران، يتم اكتشافه عبر عدة طبقات من أجهزة الرصد، تشمل:
- أقماراً صناعية ترصد حرارة محركات الصاروخ لحظة الإطلاق.
- رادارات أرضية بعيدة المدى تتابع مساره بسرعة.
- أنظمة تتبع متقدمة تحلل سرعة الصاروخ وارتفاعه واتجاهه.
وتقوم هذه الأنظمة بتحليل البيانات خلال أجزاء من الثانية لتحديد المسار المتوقع للصاروخ والمنطقة المحتملة لسقوطه.
في المراحل الأولى من الطيران تكون التوقعات أقل دقة بسبب عوامل مثل الرياح أو التغيرات الجوية، لكن مع تقدم الصاروخ في مساره يصبح تحديد موقع السقوط أكثر دقة.
كيف يتم اعتراض الصواريخ؟
بمجرد اكتشاف الصاروخ، يتم نقل البيانات إلى منظومات الدفاع الجوي التي تختار نظام الاعتراض المناسب.
في إسرائيل، مثلاً، تعمل عدة منظومات دفاعية، من بينها:
- منظومة حيتس 3 لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي.
- منظومة حيتس 2 لاعتراض الصواريخ البعيدة.
- مقلاع داود لمواجهة الصواريخ المتوسطة.
- القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى.
تعتمد صواريخ الاعتراض نفسها على بيانات الرادار، إذ يتم توجيهها نحو الصاروخ المعادي وتفجيره في الجو قبل وصوله إلى هدفه.
لماذا تنجح بعض الصواريخ في اختراق الدفاعات؟
رغم تطور أنظمة الدفاع الجوي، فإن بعض الصواريخ قد تنجح في اختراقها لأسباب عدة، منها:
- إطلاق مئات الصواريخ في وقت واحد لإرباك أنظمة الدفاع.
- حدوث أعطال تقنية في صواريخ الاعتراض.
- أخطاء بشرية أو حسابية في إدارة عمليات الاعتراض.
ومع ذلك، تبقى أنظمة الرادار والإنذار المبكر خط الدفاع الأول، لأنها تمنح السكان والسلطات وقتاً للاستعداد واتخاذ إجراءات الحماية.
استخدامات الرادار خارج المجال العسكري
لا يقتصر استخدام الرادار على المجال العسكري فقط، بل أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. فالرادارات تُستخدم في:
- الطيران والملاحة البحرية لمنع الاصطدامات.
- الأرصاد الجوية لرصد العواصف والسحب.
- السيارات الحديثة وأنظمة القيادة الذاتية.
- الأبحاث الفضائية لرصد الكويكبات والحطام الفضائي.
- الطب، لمراقبة التنفس والوظائف الحيوية دون ملامسة المريض.
تكنولوجيا مستمرة في التطور
اليوم، وبعد أكثر من تسعين عاماً على ظهور أولى أنظمة الرادار، لا تزال هذه التكنولوجيا تتطور باستمرار. ويعمل العلماء على تطوير رادارات أكثر دقة وقدرة على اكتشاف الأهداف الصغيرة أو الطائرات الشبحية التي تحاول تجنب الرصد.
ومع تزايد التهديدات الصاروخية في العالم، تبقى أنظمة الرادار والإنذار المبكر حجر الأساس في حماية الدول والسكان، إذ توفر الثواني أو الدقائق الحاسمة التي قد تصنع الفارق بين السلامة والخطر





