
بدأت تداعيات الحرب الاقتصادية تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين في البلاد، بعد أكثر من شهر على استمرار الحرب، حيث دخلت منذ يوم أمس الأول، الأول من نيسان، تسعيرة جديدة لأسعار الغاز البيتي حيّز التنفيذ، وسط ارتفاعات حادة أثارت قلقًا واسعًا لدى العائلات وأصحاب المصالح التجارية، خاصة في المجتمع العربي الذي يعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية وتراجع مستوى الدخل.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل التأثيرات الاقتصادية للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة، إسرائيل وإيران، والتي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة عالميًا، بعد أن شهدت أسعار الوقود ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأسابيع الأخيرة، قبل أن يصل التأثير هذه المرة إلى الغاز البيتي الذي يعد من أساسيات الحياة اليومية لكل منزل.
وبحسب المعطيات المتداولة في السوق، فقد ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلية سعة 48 كيلوغرامًا إلى أكثر من 600 شيكل، بعد أن كان سعرها يقارب 400 شيكل فقط حتى الشهر الماضي، فيما تجاوز سعر الأسطوانة الصغيرة سعة 12 كيلوغرامًا حاجز 150 شيكلًا، مقارنة بنحو 120 شيكلًا سابقًا، أي بزيادة تصل إلى نحو 30%.
هذا الارتفاع لم يبقَ محصورًا في الاستخدام المنزلي فقط، بل امتد سريعًا إلى قطاع المخابز، حيث أعلنت رابطة أصحاب المخابز في مدينة أم الفحم عن رفع أسعار الخبز والبيتا والمعجنات ابتداءً من اليوم الخميس، نتيجة الزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج.
وفي بيان موجّه إلى الزبائن، أوضح أصحاب المخابز في المدينة أن القرار جاء بعد محاولات طويلة لتجنّب رفع الأسعار، إلا أن استمرار العمل بات يتطلب التأقلم مع الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل، وعلى رأسها أسعار الغاز والكهرباء، إلى جانب غلاء المواد الخام الأساسية مثل الطحين والزيوت، فضلًا عن تكاليف الأيدي العاملة والضرائب والأرنونا وتفعيل قانون النفايات الجديد في المدينة.
وأكد أحد أصحاب المخابز في أم الفحم، في حديث لمراسلنا، أن الزيادة التي أقرتها غالبية المخابز تبقى محدودة نسبيًا، وتتراوح بين شيكل واحد وشيكلين كحد أقصى على سعر ربطة الخبز الكاملة، مشيرًا إلى أن الهدف ليس تحقيق أرباح إضافية، بل تخفيف جزء من الخسائر المتراكمة.
وقال:
“الكثير من المواطنين ينظرون إلى رفع الأسعار على أنه طمع أو استغلال، لكن الواقع مختلف تمامًا. نحن نواجه ارتفاعًا متواصلاً في أسعار الغاز، والكهرباء، والمياه، والمواد الخام، إضافة إلى الإيجارات ورواتب العمال. حتى هذه الزيادة البسيطة لا تغطي كامل العبء”.
وأضاف أن بعض أصحاب المخابز اضطروا إلى إيقاف تشغيل أفران الطابون التي تعتمد بشكل أساسي على الغاز، لتفادي تحميل المواطنين زيادات أكبر، خاصة أن تشغيل هذه الأفران أصبح مكلفًا جدًا في ظل الأسعار الحالية.
وأشار إلى أن الزيت، والطحين، والسكر، والملح، وغيرها من المواد الأساسية، شهدت بدورها ارتفاعات ملحوظة، ما جعل استمرار العمل بالسعر القديم شبه مستحيل.
من جهتهم، عبّر مواطنون عن استيائهم من موجة الغلاء الجديدة، مؤكدين أن الأعباء المعيشية تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة العائلات على الاحتمال.
وقال أحد المواطنين:
“بعد ارتفاع البنزين، الآن الغاز، والآن الخبز أيضًا… كل شيء يرتفع، لكن الدخل بقي كما هو. العائلة العربية اليوم تجد صعوبة حقيقية في تلبية الأساسيات”.
ويخشى كثيرون من أن تكون هذه الزيادة مقدمة لسلسلة ارتفاعات إضافية في أسعار مواد غذائية وخدمات أخرى خلال الفترة المقبلة، في وقت تتسع فيه دائرة التأثر الاقتصادي بالحرب لتطال مختلف القطاعات.
ويرى مختصون اقتصاديون أن المجتمع العربي سيكون الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، في ظل ارتفاع نسب العمال ذوي الدخل المحدود، واعتماد عدد كبير من العائلات على أجور يومية أو وظائف منخفضة الدخل، ما يجعل أي زيادة في الأسعار عبئًا مباشرًا على الحياة اليومية.
ومع استمرار الحرب وعدم وضوح الأفق الاقتصادي، يبدو أن المواطنين وأصحاب المصالح التجارية على حد سواء باتوا يواجهون مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الغلاء وعدم الاستقرار الاقتصادي.



