
تحولت استضافة كأس العالم لكرة القدم خلال العقود الأخيرة إلى أحد أكثر المشاريع الاقتصادية تعقيدًا وإثارةً للجدل وكلفةً في العالم. ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، الذي يُعد الأكبر في تاريخ البطولة، تتغير خريطة الاستضافة بشكل كامل، فيما تستعد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لتنظيم نسخة استثنائية ستُحطم العديد من الأرقام القياسية.
وبينما يعدّ عشاق كرة القدم الأيام المتبقية حتى صافرة البداية، يحصي رؤساء البلديات والمسؤولون الماليون في الدول المستضيفة شيئًا آخر تمامًا: حجم الإنفاق والمليارات التي ستُصرف على تنظيم الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
نسخة غير مسبوقة في تاريخ المونديال
ستشهد بطولة كأس العالم 2026 مشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى في تاريخ البطولة، وستقام خلالها 104 مباريات على مدار 39 يومًا في 16 مدينة موزعة بين الدول الثلاث المستضيفة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 2.4 مليون مشجع سيتوافدون إلى أمريكا الشمالية لمتابعة المنافسات، ما يفرض تحديات لوجستية وأمنية وتنظيمية غير مسبوقة.
نموذج “فيفا”: الأرباح لنا.. والتكاليف عليكم
لفهم الجانب الاقتصادي للبطولة، لا بد من فهم النموذج الذي يفرضه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على الدول المستضيفة.
فـ”فيفا” يضع شروطًا صارمة وغير قابلة للتفاوض، تشمل:
- أنظمة أمنية بأعلى المستويات.
- شبكات نقل عام متطورة تعمل على مدار الساعة.
- فنادق فاخرة لاستقبال الوفود الرسمية.
- ملاعب تستوفي أعلى المعايير الهندسية والفنية.
وتتحمل الحكومات والسلطات المحلية جميع هذه النفقات، أي أن العبء المالي يقع بشكل مباشر على دافعي الضرائب.
في المقابل، فإن أبرز مصادر الإيرادات، مثل:
- حقوق البث التلفزيوني العالمية.
- عقود الرعاية مع الشركات والعلامات التجارية الكبرى.
- مبيعات التذاكر الرسمية.
تذهب في معظمها مباشرة إلى خزينة الاتحاد الدولي لكرة القدم.
كما يتمتع “فيفا”، بموجب اتفاقيات الاستضافة، بإعفاءات ضريبية واسعة في الدول المضيفة.
وتشير التوقعات إلى أن إيرادات “فيفا” من كأس العالم 2026 قد تصل إلى نحو 13 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد في تاريخ البطولة.
دروس باهظة من البرازيل وقطر
تعتمد تكلفة استضافة كأس العالم بدرجة كبيرة على مستوى البنية التحتية الموجودة مسبقًا في الدولة المضيفة.
البرازيل 2014
أنفقت البرازيل نحو 15 مليار دولار على تنظيم البطولة، واضطرت إلى بناء وتحديث ملاعب ضخمة، تحول بعضها لاحقًا إلى ما يعرف بـ”الفيلة البيضاء”، أي منشآت رياضية مهجورة تستنزف المال العام دون استخدام فعلي.
قطر 2022
حطمت قطر جميع الأرقام القياسية، بعدما تجاوزت تكلفة استضافة المونديال 200 مليار دولار، لتصبح النسخة الأغلى في تاريخ البطولة.
ولم يقتصر الإنفاق على بناء الملاعب، بل شمل:
- شبكة مترو حديثة.
- مطارًا دوليًا جديدًا.
- طرقًا سريعة.
- بنية اتصالات متطورة.
- تطوير مناطق حضرية ومرافق خدمية واسعة.
كم ستنفق الدول المستضيفة لكأس العالم 2026؟
على عكس قطر، تتمتع أمريكا الشمالية بميزة مهمة تتمثل في امتلاك بنية تحتية جاهزة نسبيًا، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تُعد ملاعب دوري كرة القدم الأمريكية من بين الأكثر تطورًا في العالم.
الولايات المتحدة الأمريكية
تتراوح التقديرات الرسمية للإنفاق الحكومي والبلدي بين 2.5 و3.5 مليارات دولار، وتشمل:
- تهيئة الملاعب وفق معايير كرة القدم الدولية.
- إنشاء منظومة أمنية فيدرالية واسعة.
- إدارة شبكة لوجستية ضخمة عبر 11 مدينة مستضيفة.
كندا
ارتفعت النفقات في كندا إلى أكثر من 1.06 مليار دولار كندي رغم استضافة 13 مباراة فقط في مدينتي تورونتو وفانكوفر، ما يعني أن تكلفة المباراة الواحدة تصل إلى نحو 82 مليون دولار.
وتشمل النفقات:
- تطوير الملاعب القائمة.
- إنشاء مناطق جماهيرية رسمية.
- تخصيص ميزانيات كبيرة للشرطة والأمن.
المكسيك
تستثمر المكسيك نحو 3 مليارات دولار في المشروع، وسيُخصص جزء كبير من الأموال من أجل:
- تحديث الملاعب التاريخية، وعلى رأسها ملعب “أزتيكا” في مكسيكو سيتي.
- تطوير شبكات النقل العام.
- تحديث بوابات الدخول الدولية.
- تعزيز الخدمات الطبية والسياحية.
أين تُصرف هذه الأموال؟
الأمن وحماية الجماهير
يُعد الأمن أكبر بنود الإنفاق وأكثرها حساسية، إذ ستعتمد الدول الثلاث على:
- قوات الشرطة.
- الجيش.
- أجهزة الاستخبارات.
- أنظمة المراقبة والتكنولوجيا الأمنية.
وذلك لتأمين ملايين الزوار والمنتخبات والشخصيات الرسمية.
النقل والخدمات اللوجستية
تفرض المسافات الشاسعة في أمريكا الشمالية تحديات كبيرة، تشمل:
- تعزيز الرحلات الجوية.
- تطوير شبكات القطارات والحافلات.
- تشغيل خدمات نقل خاصة.
- إدارة الحركة المرورية خلال أيام المباريات.
تطوير الملاعب ومرافق التدريب
يشترط “فيفا” استخدام ملاعب ذات عشب طبيعي عالي الجودة، ما يفرض على العديد من الملاعب الأمريكية استثمارات إضافية تشمل:
- استبدال العشب الصناعي.
- تحديث أنظمة الصرف.
- توسيع منصات الإعلام.
- تركيب أنظمة تقنية متطورة للتحكيم والبث.
هل استضافة المونديال مجدية اقتصاديًا؟
يرى كثير من خبراء الاقتصاد الرياضي أن استضافة كأس العالم نادرًا ما تكون مجدية اقتصاديًا على المدى القصير.
ورغم محاولات المدن المضيفة استعادة جزء من استثماراتها عبر:
- زيادة الاستهلاك المحلي.
- تنشيط قطاع السياحة.
- رفع الناتج الاقتصادي خلال البطولة.
- فرض رسوم وضرائب إضافية على بعض الخدمات.
إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن المكاسب الحقيقية تكون غالبًا:
- دعائية.
- دبلوماسية.
- سياسية.
- مرتبطة بتحسين صورة الدول عالميًا.
الجماهير أيضًا تدفع الثمن
ولتمويل هذا الحدث الضخم، تشهد بطولة كأس العالم 2026 أعلى أسعار تذاكر في تاريخ اللعبة.
فوفق نظام التسعير المتغير بحسب حجم الطلب:
- بلغت أسعار بعض تذاكر دور المجموعات مئات الدولارات.
- بينما وصلت أسعار تذاكر المباراة النهائية إلى آلاف الدولارات.
الخلاصة
سيكون كأس العالم 2026 بلا شك تجربة رياضية وثقافية استثنائية على أرض الملعب، لكنه بالنسبة للدول والمدن المستضيفة يمثل رهانًا ماليًا ضخمًا ومعقدًا. فبينما يستعد “فيفا” لتحقيق إيرادات قياسية تُقدّر بنحو 13 مليار دولار، تتحمل الحكومات والسلطات المحلية مليارات الدولارات من النفقات، في استثمار ستظل آثاره الاقتصادية والمالية محسوسة لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.





