
تبحث الحكومة الإسرائيلية، خلال الأسبوع الجاري، مقترحًا يقضي بتحويل نحو 600 مليون شيكل من ميزانيات الخطة الخماسية لتطوير المجتمع العربي إلى الشرطة وجهاز الأمن العام “الشاباك”، في إطار خطة الحكومة لتعزيز مكافحة الجريمة والعنف في البلدات العربية، وسط تحذيرات من أن تؤدي هذه الخطوة إلى إغلاق برامج اجتماعية وتشغيلية مركزية، وفي مقدمتها برنامج “ريان” للتشغيل.
وكان من المقرر أن تناقش الحكومة القرار خلال الأيام الماضية، إلا أن الجلسة أُرجئت إلى يوم الثلاثاء، عقب اعتراض عدد من الوزارات الحكومية على التقليصات المقترحة، التي تمس ميزانيات وزارات مسؤولة عن تشغيل برامج تنموية وتعليمية واجتماعية في المجتمع العربي.
“ريان” في دائرة الخطر
ويعد برنامج “ريان”، الذي يعمل بإشراف وزارة العمل، أبرز البرامج المهددة بالتوقف، إذ يشغّل مراكز متخصصة في توجيه وتأهيل المواطنين العرب ودمجهم في سوق العمل، وساهم منذ إطلاقه في تأهيل وتشغيل آلاف الشبان والشابات.
ويُمول البرنامج من ميزانيات الخطة الحكومية رقم 550 الخاصة بتقليص الفجوات في المجتمع العربي، إلا أن التقليصات الجديدة قد تؤدي إلى وقف نشاطه أو تقليص خدماته بصورة كبيرة.
تقليصات متواصلة منذ تولي ماي غولان المنصب
ويأتي المقترح الحالي بعد سلسلة من الاقتطاعات التي طالت الخطة الخماسية منذ تولي وزيرة المساواة الاجتماعية، ماي غولان، مسؤولية الملف.
ففي بداية ولايتها، خُفضت ميزانية الخطة بنسبة 15% ضمن التقليصات المرتبطة بتمويل الحرب، رغم أن التقليص العام في ميزانيات الوزارات الحكومية بلغ نحو 5% فقط، ما جعل المجتمع العربي يتحمل نسبة أكبر من التخفيضات.
كما جرى لاحقًا تحويل نحو 70 مليون شيكل من ميزانية الخطة إلى وزارة المساواة الاجتماعية، وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي دُفع باتجاه تحويل 220 مليون شيكل إضافية لصالح تعزيز نشاطات إنفاذ القانون.
وتؤكد الوزيرة غولان أن الأموال التي جرى تحويلها كانت تُصرف “من دون رقابة كافية”، وأن التقليصات لن تمس بالمشاريع التي حصلت على تمويل مسبق، إلا أن مسؤولين سابقين وحاليين يشككون في هذا الطرح.
مسؤولون: هذه ليست “فوائض” بل إلغاء لبرامج كاملة
وقال المدير العام السابق للسلطة الاقتصادية لتطوير المجتمع العربي، حسان طوافرة، إن الحديث لا يدور عن فوائض مالية، وإنما عن إلغاء بنود ومشاريع قائمة بالفعل.
وأضاف: “هذه ليست فوائض مالية، بل بنود كاملة سيتم إلغاؤها، والتقليص سيؤدي إلى إغلاق فوري لبرامج قائمة يعتمد عليها آلاف المستفيدين”.
وأشار التقرير إلى أن اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ الخطة الخماسية والمصادقة على برامجها السنوية لم تعقد أي اجتماع منذ تولي الوزيرة غولان مهامها، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن إدارة الخطة.
برامج ومشاريع مهددة
ومن بين أبرز التقليصات المقترحة:
- نحو 90 مليون شيكل من ميزانية وزارة العمل، المخصصة لبرنامج “ريان” وبرامج التدريب والتشغيل.
- نحو 60 مليون شيكل من ميزانية وزارة الثقافة والرياضة، كانت مخصصة لتطوير المنشآت الرياضية في البلدات العربية.
- تقليص ميزانيات برامج دعم التميز العلمي.
- تقليص مخصصات موجهة للسلطات المحلية العربية.
مؤسسات المجتمع المدني: الوقاية تبدأ بالتعليم والعمل
وحذرت مؤسسات المجتمع المدني من أن تقليص البرامج الاجتماعية والتشغيلية سيقوض الجهود الحقيقية لمكافحة الجريمة.
وقال المدير العام لمنظمة “أجيك” العربية اليهودية، سليمان العمور، إن جهاز الشاباك قد ينجح في التعامل مع من انخرطوا بالفعل في عالم الجريمة، لكنه لن يمنع الأجيال الجديدة من الوصول إليه.
وأضاف: “الوقاية الحقيقية تتحقق عبر الاستثمار في التعليم، وتأهيل الشباب، والتشغيل، وبناء سلطات محلية قوية ومجتمع قادر على توفير الفرص”.
من جهتها، قالت المديرة العامة لجمعية “بعَتسمي”، ليئات بروش، التي تدير نحو نصف مراكز “ريان”، إن البرنامج أثبت نجاعته على مدار سنوات، مؤكدة أن “كل شيكل تستثمره الدولة في البرنامج يعود عليها بأضعافه”، ووصفت أي قرار بإغلاقه بأنه “تهديد وجودي” للمشروع.
وأوضحت أن البرنامج يستهدف الشبان المعرضين للانجرار إلى الجريمة، عبر توفير بدائل حقيقية وفرص عمل، مشيرة إلى أن طواقم البرنامج تنزل إلى المقاهي والأماكن العامة للوصول إلى الشباب غير المنخرطين في التعليم أو سوق العمل.
بدوره، شدد المدير العام لجمعية “الفنار”، حسام أبو بكر، على أن التشغيل يشكل أحد أهم أدوات الوقاية من الجريمة، قائلاً: “العمل ليس مجرد مصدر دخل، بل هو بناء لمستقبل الإنسان وأسرته ومجتمعه. ومن يجد مكانه في سوق العمل يبتعد عن دوائر الجريمة واليأس، ولذلك فإن الاستثمار في التشغيل هو من أنجع وسائل مكافحة الجريمة على المدى البعيد”.
ويرى مراقبون أن المقترح الحكومي يفتح نقاشًا واسعًا حول جدوى تحويل ميزانيات مخصصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الأجهزة الأمنية، في وقت يؤكد فيه مختصون أن معالجة جذور الجريمة تتطلب الاستثمار في التعليم والتشغيل والتنمية، إلى جانب تعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون.





