أخبار

من يملأ فراغ النفوذ في الشرق الأوسط؟ قوى إقليمية تعيد رسم خريطة المنطقة

يدخل الشرق الأوسط مرحلة متسارعة من إعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ، في ظل تراجع نسبي للدور الأميركي مقارنة بمراحل سابقة، وتصاعد طموحات قوى إقليمية تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي خارج حدودها، وفي مقدمتها تركيا وإيران وإسرائيل وباكستان، إلى جانب السعودية والإمارات وقطر ومصر.

وفي قراءة نشرها المؤرخ والكاتب البريطاني سايمون سيباغ مونتيفيوري في صحيفة “الإندبندنت”، يرى أن المنطقة تتجه نحو ما يصفه بـ**”عصر إمبراطوري جديد”**، تتنافس فيه قوى متعددة على مناطق النفوذ والممرات البحرية والموارد والتحالفات، في غياب قوة منفردة قادرة على فرض هيمنة مطلقة.

ويستند الكاتب في طرحه إلى التاريخ الطويل للشرق الأوسط بوصفه نقطة التقاء وصراع بين الإمبراطوريات، بحكم موقعه الرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، قبل أن تضيف موارد الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية أبعادًا جديدة إلى أهميته الجيوسياسية.

تركيا وإيران.. استعادة نفوذ تاريخي؟

يضع مونتيفيوري تركيا وإيران في مقدمة الدول التي يصفها بأنها تحمل إرثًا إمبراطوريًا وتسعى، وفق قراءته، إلى بناء دوائر نفوذ تتجاوز حدودها الحالية.

وفي الحالة التركية، يشير إلى توسع نشاط أنقرة السياسي والعسكري في عدد من ساحات المنطقة، من سورية وليبيا إلى الصومال ومناطق أخرى، بالتوازي مع التنافس على موارد الطاقة والنفوذ في شرق البحر المتوسط.

ويستشهد الكاتب بتصريحات للرئيس التركي رجب طيب إردوغان تحدث فيها عن امتداد المصالح الأمنية التركية إلى مناطق خارج الحدود، إلى جانب مواقف سابقة بشأن القدس وشرق المتوسط وبحر إيجة والبحر الأسود، ويرى فيها انعكاسًا لرؤية أوسع لمكانة تركيا الإقليمية.

أما إيران، فيرى المقال أنها نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة امتدت بدرجات متفاوتة إلى العراق وسورية ولبنان وغزة واليمن.

لكن هذه المنظومة، بحسب التحليل، تعرضت لضربات كبيرة خلال سلسلة المواجهات والحروب التي أعقبت هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الأمر الذي فرض على طهران تحديات جديدة في الحفاظ على نفوذها الإقليمي.

وفي هذا السياق، يربط الكاتب التحركات الإيرانية في منطقة مضيق هرمز بمزيج من الاعتبارات الأمنية والدفاعية ومحاولة الحفاظ على أوراق القوة والنفوذ.

إسرائيل وباكستان في معادلة القوة

ولا يحصر مونتيفيوري المشهد بتركيا وإيران، بل يضع إسرائيل وباكستان أيضًا ضمن القوى العسكرية التي باتت مصالحها وتحالفاتها تتجاوز محيطها المباشر.

ووفق قراءته، تتشكل في المنطقة مجموعة من أربع قوى عسكرية بارزة هي تركيا وباكستان وإيران وإسرائيل، مع اختلاف كبير في مصالح كل منها وتحالفاتها وأهدافها.

وفي الوقت ذاته، تتحرك دول عربية تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر ومصر، ضمن شبكة متداخلة من التحالفات والمنافسات الإقليمية.

القرن الأفريقي.. جبهة جديدة للتنافس

ويولي المقال اهتمامًا خاصًا لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، معتبرًا أنها مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز ساحات التنافس الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

فالمنطقة تجمع بين موانئ استراتيجية وممرات بحرية بالغة الأهمية وموارد ومواقع عسكرية، فضلًا عن ارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.

وفي الوقت نفسه، تسعى إثيوبيا إلى تعزيز وصولها إلى البحر، بينما يستمر خلافها مع مصر بشأن مياه النيل وسد النهضة، ما يضيف بعدًا آخر إلى شبكة الصراعات والتحالفات.

وبحسب المقال، تتنافس عدة قوى شرق أوسطية على بناء علاقات ونفوذ في شرق أفريقيا، سواء من خلال الاستثمارات والموانئ والقواعد العسكرية أو دعم الحكومات والأطراف المحلية المختلفة.

شبكة تحالفات تتجاوز الشرق الأوسط

ويرى مونتيفيوري أن إسرائيل تعمل على توسيع علاقاتها وتحالفاتها من الهند واليونان وصولًا إلى مناطق في أفريقيا، فيما تعمل تركيا ودول عربية على تعزيز حضورها في الصومال والبحر الأحمر.

كما يشير إلى تقارب متزايد بين باكستان وكل من السعودية وتركيا، في إطار إعادة ترتيب التحالفات التي تتجاوز الحدود التقليدية للشرق الأوسط.

وهكذا، لم تعد المنافسة الإقليمية تدور فقط حول سورية أو لبنان أو العراق واليمن، بل تمتد إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا وشرق المتوسط والمحيط الهندي.

ما بعد 7 أكتوبر.. خريطة إقليمية مختلفة

ويخلص الكاتب إلى أن الحروب والمواجهات التي تفجرت عقب هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من مواجهات امتدت إلى لبنان واليمن وإيران، ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءًا من تحول جيوسياسي أوسع.

فالصراع، وفق هذه القراءة، لم يعد مقتصرًا على مواجهة بين دولتين أو محورين، وإنما أصبح سباقًا متعدد الأطراف على مناطق النفوذ والتحالفات والممرات البحرية والقدرة العسكرية.

وفي ظل غياب قوة واحدة قادرة على فرض قواعد اللعبة بمفردها، يرى مونتيفيوري أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام أكثر تعددية وتعقيدًا، تتقاطع فيه مصالح تركيا وإيران وإسرائيل وباكستان والسعودية ومصر والإمارات وقطر، بينما تتحول مناطق مثل القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى ساحات متقدمة لهذا التنافس.

وبحسب هذه الرؤية، فإن السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس فقط من سينتصر في المواجهات الحالية، بل من سيتمكن من بناء شبكة النفوذ والتحالفات الأوسع في الشرق الأوسط ومحيطه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى